الأربعاء، 27 يوليو، 2016

الإسلاميون.. الهرب إلى الديمقراطية، أم الهرب منها؟


- نُشر في صحيفة إيوان24 بتاريخ الخميس 28 يوليو 2016.

بكتابة هذه السطور، يكون قد مرّ على محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عشرة أيام، ويكون الكثير من المتهمين بمحاولة الانقلاب هذه قابعين في السجن بانتظار المحاكمة التي ستفضي بهم إلى البراءة أو أحكام بالسجن، أو -بعد تمريره في البرلمان- الإعدام. تبدو العزيمة واضحة ونهائية من الحكومة الحالية المنتخبة، إلى جانب المعارضة، على مواجهة كلّ ماله صلة بمحاولة الانقلاب هذه. هذا في تركيا، أما في فضاء المواقف وردات الفعل، فالأمر لم ينتهي بعد؛ ففي لحظات تاريخية كهذه يجدر بالحكيم الوقوف طويلاً، بتمعّنٍ فاحص، أمام كل ما يقوله الناس إزائها، متمسّكًا بالحقيقة غير مكترث بالتعصّب الذي لا دواء له؛ فالحقيقة انعكاسٌ “للأشياء” قبل الخوض في الحكم عليها، كما يعبّر روسو.

أما قبل، ولأن بعض أولئك يتقنون الاجتزاء، فأريد أن أقرِّر ثلاثة أمور: أولاً: أن ما حدث في تركيا ليلة ١٥ من يوليو هو انقلاب عسكري غاشم كامل الأركان على الديمقراطية والمؤسسات المدنية، يرفضه كل حر ونزيه بلا تململ ومواربة. وثانيًا: أردوغان، هو الرئيس الشرعي المنتخب لتركيا اليوم، وهو الوجه المدني في مقابل آخرَ عسكري. وثالثًا: الوقوف مع الحكم المدني الديمقراطي، لا يعني بالضرورة، مناصرة الحزب الحاكم، أو تفضيل أردوغان، بل يعني الحسم والانحياز النهائي مع حكم الشعب وحقّه في تقرير المصير. *عد إلى مقالي: الاشتباك حتى الموت

أما بعد، فلا يستطيع أحد مفارقة حقيقة أن الحكم القائم اليوم في تركيا هو الرِّهان الوحيد للطيف الإسلاموي خلال هذا العقد، تبدو حالة اصطفاف رهيبة لم تحدث من قبل لرجلٍ بشروط أردوغان، فباستثناء المؤسسات الدينية الرسمية التي تنطق مباشرة باسم الحكومات، هناك قبول عام خفي أو ظاهر لدى السلفيين والإخوان -كأيدولوجيا- والذين بين بين والأبعد منهم والأدنى، يتراجع هذا القبول أو يزيد، إلا أنهم يلتفون حوله في اللحظة الحرجة ويسخِّرون أنفسهم وأدواتهم من أجله في مشهد براغماتي بحت لا يشترط فيه الأخلاق بالتأكيد، إنها سياسةٌ إذًا، لا تلغيها مظاهر الزهد والتواضع، بل تؤكدها.

في سبتمبر من ٢٠١١ ذهب أردوغان إلى مصر، وخاطبهم هناك متحدثًا عن العلمانية النِّسبية، لقد قال أردوغان في لقاءه الشهير مع منى الشاذلي واصفًا “الدولة العلمانية” أنها تكفل حق المساوة بين المواطنين “المتدينين وغير المتدينين، ومن هم ضد الدين، وأصحاب الأديان الأخرى”، ثم أضاف: “وهذه المساواة تحت ضمانتنا، ولابد من القائمين على إعداد الدستور -الدستور المصري آنذاك- أن يذكروا هذا فيه”، إذًا أردوغان هنا يقرُّ صراحة بضرورة أن تكون الدولة علمانية. هذا التصريح دفع كثيرًا من الإسلاميين في مصر لاتخاذ موقف، أحدها أنه لا يفهم ما يدور في مصر، المحاججة التي اتضح فشلها في يوليو ٢٠١٣ أثناء انقلاب عبد الفتاح السيسي عليهم.

في ٢٠٠٢ كذلك، وفي لقاء حاشد بطلبة جامعيين، قال أردوغان جوابًا على سؤال لأحد الطلبة حول المثلية: “من الضروري أن يتم الاعتراف بالمثليَّة، وأعتقد أنه تجب حمايتهم بالقانون، وأرى أن المعاملة التي يعاملون بها في وسائل الإعلام غير إنسانية”. في يونيو الماضي ٢٠١٦، دعا أردوغان المطربة والممثلة التركية «بولنت أرسوي» على مائدة إفطار رمضانية، وهي من أشهر المتحوِّلين جنسيًا في تركيا، حيث نقلت وسائل الإعلام عدة صورًا له يتوسط مائدة بينها وبين زوجته السيدة «أمينة»، لا ننسى هنا أن القانون التركي لا يُجرِّم المثلية بين “بالغين بالتراضي”، ١٨ عام فما فوق.

يستند الإسلاميون في دعمهم لأردوغان على دعايات يتقنها الرجل، ومظاهر وشعارات وقعوا فيها؛ خذ مثالاً العبارة الأخيرة التي وصف فيها أردوغان الجيش الأول وبقية الوحدات التي لم تنقلب عليه: “أنتم جند محمد”، أو المشهد المصوَّر له في أحد الجوامع وهو يوجه نصيحة لأحدهم بالإقلاع عن التدخين في “يوم الجمعة المبارك”، أو الأذان المنسوب له في مسجد والذي بثَّته قناة مقربة، إلى جانب أزياء وتصاوير مأخوذة من عهد الخلافة العثمانية تقف في قصره الرئاسي وأثناء زيارة زعماء العالم، هذا -بتوصيف غير مخل- أكثر ما يغري الإسلاميين، الدِّعاية. كما لا نستطيع إغفال، وبدرجة تالية، إلحاحهم في الإشادة بالاقتصاد القوي الذي نجح في تدعيمه، وهذا أمر يستحق الإشادة، وترويجهم لمواقفه من نظام الأسد في سوريا والانقلاب في مصر، لكنها جميعًا، يستطيع أي رجل آخر من أي خلفية آيدولوجية أخرى العمل على تحقيقها، بمعنى أنه التزم وحزبه وفريقه العمل السياسي والاقتصادي بالبعد المهني تحت مظلَّة دولة علمانية يُبشّر بها، حيث لم تكن تلك الوعود الرائجة والشعارات الرَّنانة إلا لغرض الحشد والجماهيرية التي يسعى لها كل زعيم. هل اتضح الفرق الآن؟

في نفس الوقت الذي يدافع فيه كثير من الإسلاميين عن فوز أردوغان ونتائج الصندوق وحتمية الانتخاب الحر، وهذا استحقاق طبيعي، سنجدهم لاحقًا يبرِّرون قبولهم بالديمقراطية على أنها “مرحلة” فقط لما بعدها. هم يتشوَّفون لما بعد الديمقراطية، العودة إلى الامبراطورية العثمانية، أمجاد الخلافة، أي شيء ماضوي آخر سابق على الدولة الحديثة، على الرغم من أن الدولة العثمانية لم تكن "تطبِّق الشريعة" بالضرورة بالمفهوم الذي يتصوّرونه، لكنه اطمئنان لمخيال قديم لا أكثر، وهنا يحاولون تتبُّع هذا المخيال عبر تصريحات هنا وصور هناك. إذًا فدفاعهم المستميت السابق هو عبارة عن ادعاء؛ فالذي "يؤمن" بالديمقراطية سيؤكد -بشكل بدهي- على حتمية الدولة الحديثة كتطوّر تاريخي، إلا أننا نجد أحدهم ضمن مشهد هزلي من الكوميديا السوداء، وهو وجدي غنيم المعروف بإسرافه في التكفير، يقطع بكفر الديمقراطية، وكفر العلمانية والعلمانيين، وينفي حرية الاعتقاد، وحرية التعبير، اللَّذان هما كفر بالطبع، ثم يدعو بالنصر المؤزر لتركيا العلمانية وأردوغان الذي جاء عبر عملية ديمقراطية.

ناصر العمر، المعروف بانخراطه في قضايا "الاحتساب" ووقوفه وجماعته ضدّ قيادة المرأة والمحافل الفنية والنشاطات الثقافية، نجده على تويتر ينقل فتوى عن "شيخه" يقول فيها الأخير أن الذين فرحوا بالانقلاب إما "كافر أو جاهل أو صاحب هوى”. فأي منطق يصدر عنه هؤلاء؟ وهل يروننا بهذا الحد من السذاجة والحموريَّة لدرجة أن نتخيَّل أنهم هم أنفسهم الذين يعادون الحريات والمرأة والفنون والثقافة ويستعدون السلطة على خصومهم، سينتصرون للديمقراطية في تركيا؟! هم بالتأكيد محلّ سخرية لدى كثير من السياسيين الأتراك، على رأسهم حزب العدالة والتنمية نفسه، إلا أن هذا لا يمنع السياسي هناك من استغلالهم، ويا لسعد من استغلّ أمثال هؤلاء!

يجادل الإسلاميون كثيرًا حول شرعية الصندوق، نعم؛ الصندوق هو أحد مراحل العملية الديمقراطية، وهو يعكس آلية الانتخاب الحر للشعب لمن يختارونه ممثلاً عنهم، لكن الديمقراطية لا تتوقف عند هذه المرحلة، بل هناك قيم عامة وفضاء يسمح بالتعدّدية والاختلاف يجب أن يكون حاضرًا لضمان الرقابة على بقية المراحل، تتمثل في البرلمان/مجلس الشعب والمحكمة الدستورية إلى جانب كفل حرية التعبير والإعلام والتظاهر السلمي، كل هذه الوسائل تضمن حقَّ المحكومين بإزاء الحاكم الذي اختاروه، وهذه كلها، يقف الإسلاميون إلى جانبها عندما تكون إلى جانبهم، ويغادرونها ويتنكَّرون لها تمامًا عندما تعمل على مسائلتهم والحد من قدراتهم.

يجب على الإسلاميين عندما يرفعون أصواتهم ضدَّ الاعتقالات التعسفية التي تطال رموزهم في مصر وغيرها، أن يتوقفوا ولو قليلاً أمام مشهد تهم الإرهاب الجماعية الذي نراه اليوم في تركيا، عندما يتم وصف ٢١٦٠٠ ممن تم سحب جوازاتهم بـ “الإرهابيين”، حسب موقع مقرب من الحكومة، بالتزامن مع حملة “تطهيرية” وإقالة لآلاف من منسوبي التعليم واستدعاء عام للأكاديميين. إذًا فأردوغان يفعل ما يفعله خصومه، وما يفعله الغرب، أمام هذه التهم المفتوحة بالإرهاب.

لا يمكن فهم الاعتراض على الاعتقالات في مصر دون اعتراض مقابل أيضًا على ما يمكن أن يحدث من وقائع تعسّف في تركيا في حق أكاديميين ومعلمين وصحفيين، أما ما أعتقده، فتجريم التعسّف في الحالتين، ومواجهة السلطات وتقليم أظافرها في الحالتين إذا ما ارتكبت أي انتهاك، ولا يبرّر ظرف الانقلاب التجاوز بحال، فالأحرار ينشدون العدل، أما الذين يحاولون تطويع القيم والمبادئ والحقوق لصالح حزب هذا أو تيار ذاك فلا يرجى منهم إلا بقدر ما يعود عليهم بالنفع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق