الأربعاء، 3 أغسطس، 2016

الكبتاجون.. المتهم الأول بالإرهاب!

تعتمد بعض الدوائر في محاولتها لفهم سلوك ودوافع الجماعات المتطرفة على طريقة بدائية في تحليل الأحداث، فهي تحاول جاهدة -وبأقصى الممكن- تسخيف الأفعال الصادرة عن هذه التنظيمات وتسطيح الخلفيات القادمين منها أفرادها، من كونهم متعاطين للمخدرات، وتاركين للصلاة، إلى كونهم لا يظهرون بمظاهر متديِّنة، إلى آخره.

المستفيد من هذه التقييمات فريقان: التيار الديني بالعموم، الذي يجيد تخليص نفسه باستمرار كلَّ مرة بتبنِّيه دفاعًا مفتوحًا في محاولته للتنصّل من أي مسؤولية، ولو على مستوى إعادة فهم التراث من زواية مدى تطابق أفعال ومبررات تلك الجماعات وتلاقيها مع النّصوص والفتاوى المعتمدة لدى هذه التّيارات، هذا مع تجاوز وقائع التعاطف الصريح والمعطوف والخفي.

أما الفريق الثاني فهو الفريق الذي يخدم الدعاية التقليدية، الحكومية غالبًا، والذي يحاول من خلال اعتماد طريقة الفهم هذه التَّغطية على مشكلات قائمة؛ فعندما يقول أن أولئك الإرهابيون ماهم إلا أصحاب سوابق جنائية/أخلاقية، أو كونهم من مدمني المخدرات، فهو يحسم النقاش بهذه النتيجة التوفيقية متجاوزًا حتى الأساليب المعمول بها أصلاً لدى تلك الجماعات، وهو بهذا التسطيح يتغاضى عن حالة بحثية مهمة لربما تكشف لنا طريقة تفكير أولئك الإرهابيين.

يذكر أستاذ التحقيقات الإعلامية الاستقصائية في العالم العربي «يسري فودة»، في كتابه “في طريق الأذى”، أنه أثناء مغامرته الشهيرة في ٢٠٠٢ وصولاً إلى تنظيم القاعدة في بيشاور ولقاءه اثنين من أهم الشخصيات بالتنظيم، كان قد اتَّفق مع أحد الوسطاء الذين أرسلهم التنظيم على اللقاء يوم الجمعة. أخبره الوسيط ألا يغادر غرفة الفندق أبدًا حتى الموعد، عندها بادره «فودة» بسؤال حول رغبته شهود صلاة الجمعة، ليرد عليه وسيط القاعدة واثقًا: “سيغفر لك الله!”.

هذه الوثوقيَّة دفعت «فودة» للتساؤل: من الذي أعطى هؤلاء الحق في تقرير المغفرة من عدمها لشهود صلاة كصلاة الجمعة؟ ولمن؟ لصحفي، لا يشارك في معركة وليس في حكم صلاة الخائف؟! ثم إلى أى مدى يمكن أن يصل احتكار هذا الحق؟ ومن يتحكَّم به؟ ثم ماهو الفرق بينهم وبين تلك المذاهب الدينية التي يتهمها هؤلاء “بتمييع” الدين؟ أين «السلفية» المزعومة إذًا؟ وعند أي منعطف يمكن التخلِّي عن النص؟ وماهو الفرق بين الدول الغربية في زعمها التزامها حقوق الإنسان، وبين هؤلاء وزعمهم التدين؟

كل هذه الأسئلة اندفعت مرة واحدة في عقل «فودة» الذي ظلّ ملتزمًا بتعليمات هذا الوسيط حتى نجح في الوصول إلى مجلس القاعدة في اليوم التالي، حيث أعلن القائد العسكري أمامه، ولأول مرة حينها، تبنِّي التنظيم لاعتداء الحادي عشر من سبتمبر الشهير، وبعد وقت قصير، اكتشف «فودة» أن التنظيم كان قد ألزم اثنين من المنفِّذين بتعليمات تقضي بأن ينخرطوا في طريقة الحياة الأمريكية، حيث لا يشكُّ بهم أحد. لقد قرَّرت القاعدة لهذان “الإخوة”، الذان “يجاهدان في سبيل الله” أن يتعلَّما العادات والتقاليد المحلية في الولاية التي كانوا يعيشون فيها، وطريقة شرب الكحول ومسامرة الفتيات، لغرض التمويه والتغطية على تحرّكاتهم. لقد كان هذا مدوَّنا بالحرف في ورقة تركوها في متناوله.

إذن، هذه رخصة “سبيشل” اتبعها التنظيم الأكثر تشددًا مع منفذي الهجمات الأشهر في تاريخنا الحديث، وهي توضّح إلى أي حد يمكن أن يذهب هؤلاء في تطويع تعاليم الدين لصالح تنفيذ غاياتهم، حيث اللّا حد!

إن سردًا قصصيًا كهذا من مذكرات صحفي استقصائي، ورغم كونه نقلاً لتجربة واقعية، لا يرقى إلى كونه بحثًا معرفيًا في مشوارنا لفهم طريقة تفكير أولئك، لكنه يوضّح بجلاء أنه ثمة تفسيرات أخرى يمكن التطرّق إليها خلف تلك الأعمال، بعيدًا عن تلك التي يُراد أن تبقى في الواجهة. وعندما نفهم بشكل جيّد سنعمل بشكل جيّد، وسنصل إلى جذر المشكلة بشكل أدق وصولاً إلى نتائج أكثر واقعية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق