الثلاثاء، 12 يوليو، 2016

ولكن الإدانة لا تفيد!



- نُشر على صحيفة إيوان24 بتاريخ الثلاثاء 12 يوليو 2016.

يحصل أن يموت أحدهم ولا يقام له عزاء، إما لأنه لا يعرفه أحد، أو أنه مات وحيدًا، أو ربما اختفى في ظروفٍ غامضة، لكن أن يموت مئاتُ البشر الأبرياء في لحظة واحدة والجميع يرى ويسمع، ثم لا إدانة تمر إلا بعد سؤال الفائدة والمصلحة المرجوَّة من ورائها، فهذا هو العالم قد بدأ يحتضر. هذه المرة، هذا ليس تعبيرًا أدبيًا؛ فالنظام العالمي اليوم، والذي يتعامل في غالبه مع وحدته الإنسانية بمنطق الفائدة، ليس بنظام، ولا يجوز أن يكون عالميًا. هذا النظام الوحشي الذي يتعاطى مع ضحايا الحروب بوصفهم أرقامًا يتاجر بها في سوق السياسة، ليس نظامًا واعدًا، ويجب أن يرحل.

في أسبوع واحد ضرب ثلاثة انتحاريين مطار أتاتورك في تركيا، لقد كان يومًا مرعبًا، ٤٣ قتيلاً وأكثر من مئتا جريح، على المستوى الرسمي أدان الجميع، أعداء وأصدقاء تركيا أعربوا عن رفضهم القاطع للاعتداء، بل أنّ إيران والتي تسند كفّة بشار في دمشق والحلفاء الإقليميين له في المنطقة أعربت عن استنكارها قائلة على لسان «ظريف»: “مرة أخرى أطلّ الإرهاب بوجهه القبيح في مطار البلد الشقيق والجار”، أيضًا مصر السيسي والتي تحمل خصومة واضحة مع النظام الحاكم في تركيا أعربت عن إدانتها “بأشد العبارات” لما حصل، لكن هذه الإدانات الرسمية لا تُعبّر بالضرورة عن حقيقة المواقف، فثمّة ما خلف الكلمات.

لقد رأى الجميع على مواقع التواصل الاجتماعي مع هذه الحادثة كيف توارى أولئك -المحسوبين على تيارات مناوئة- بعيدًا في ما يتعلق بالمسألة الأخلاقية، فماذا يفيد إن قمتُ بالإقرار بجريمة المجرم، أو بالتضامن مع الضحايا والأبرياء، أو مساندة السلطات هناك وهي خصم سياسي بالنسبة لي؟ لا يفيد. الحسابات السياسية، واستغلال المفيد من وراء الحادثة هو المعيار هنا، وهو يتحصَّل في الضغط على هذا الخصم وتحميله المسؤولية كاملة، ولا يشترط هنا استعراض وقائع محل اعتبار وجدل كالاتصالات التي أجرتها الحكومة التركية مع متطرفين في سوريا حتى صيف ٢٠١٤، أو التراخي في ضبط الحدود، بل نجده يذهب بعيدًا لدرجة اعتباطية في توفيق المتعارضات، كما أن يقول أن تركيا نفسها هي من دبَّرت العملية لنفي تهمة رعايتها لـ «داعش» عن نفسها مثلاً، أو أنها سمحت للأكراد بتنفيذ العملية لتمرير الدعم الدولي لها، ضربٌ من الهستيريا ينتاب هؤلاء عندما يتعلَّق الأمر بالخصومة السياسية، ولا يأسفون كثيرًا لسلامة الضحايا، فزيادة أعداد المصابين والقتلى رصيد إضافي بالنسبة لهم.

لقد تابعنا مفارقات مفزعة مشابهة مع تفجير «الكرادة» الأثيم في بغداد والذي تبنَّته داعش، من جهة، والأبرياء من المدنيين في الفلوجة الذين ذهبوا ضحايا اقتحام الجيش الحكومي والميليشيات الطائفية ونفس الانتقام المصاحب من جهةٍ أخرى. وعلى الرغم من كون الضحايا مدنيين أبرياء في الحالتين، إلا أننا لاحظنا سلوكًا مشينًا لدى فريق اختار الصمت بل وذهب بعيدًا حد السخرية من قتلى الحادثة الأولى، أما على المقابل فتجده جاثٍ على ركبتيه ينوح على مقتلة المدنيين في شوارع الفلوجة والانتهاكات التي حصلت مع نازحين، والعكس أيضًا مع الفريق الثاني الذي يجرِّم «الكرادة» من جهة ويوغل في الفجور حد “اختلاق” المبررات والأكاذيب أمام الانتهاكات التي حصلت في الفلوجة. كلا الفريقين أبناء مدرسة واحدة، فالصِّفة الاعتبارية في الحالتين نفسها، والضحايا من عموم المدنيين رجالاً ونساء وأطفالاً وشيوخ، والحادثة الأولى حصلت في مجمَّع تجاري مزدحم بالأهالي أما الثانية فاقتحام مدينة تكتظ بالبشر، ولكن بالنسبة لهؤلاء النفعيين مهما كانت دوافعهم؛ فالمفيد والفعَّال والذي يحشد أكثر ويأتي بجماهيرية أكبر هو المهم الآن، في صورة استغلال قذر لمآسي البشر وتجاهل لخساراتهم.

لن نتوقف ونحن نسرد مثل هذه الوقائع الكارثية في التعاطي مع الأحداث، ولكنَّ المهم أن يعلم هؤلاء، من كل الفرق والطوائف والأحزاب والتيارات السياسية، أن هذا المذهب السائد اليوم والقائم على تهييج الناس والمكر والخداع ولُعب الإعلام، والذي يطوي على ازدواجية لا أخلاقية ومعيارية ظالمة في التعامل مع الضحايا، لا مكان له في المستقبل المنشود الذي نحلم به، ومهما حفل بالحشود التي تصفِّق له فإنها سرعان ما ستتفرق عنه في ساعة نهار فور تبدِّي حقيقة هذه الأساليب لها. لن يُغرينا صوته الجهور في الانسياق خلفه، ولن يغيِّر حضوره الطاغي من مبادئنا المنحازة أصالة إلى جانب الضحية، في معركة يقودها متطرفون أوغاد تدفعنا إلى الهلاك كل يوم، حيث الخاسر فيها دائمًا أبرياء أقصى عزاء سيحصلون عليه هو أن يظهروا أرقامًا على شاشات التلفزة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق