الثلاثاء، 12 يوليو، 2016

عيد الفطر في السعودية: زيارات وإفطارات وزينة وعيديات


نُشر على العربي الجديد بتاريخ 7 يوليو 2016.

استقبل السعوديون عيد الفطر بالبهجة والفرح. القيم العائلية وصِلات القرابة وتبادل الزيارات وتقديم الهدايا، تبرز معاني العيد التي تنعكس بالضرورة على المأكل والملبس والعادات والتقاليد والزينة والأغاني. وتصدح أغنية "ومن العايدين" للفنان محمد عبده بتلقائية أيام العيد. كما تفرض المأكولات والحلويات وجودها بأشكالها وأنواعها، وتتفرد كل أسرة بطبقها الخاص، لتقدّمه للزوار المهنئين.

بحكم طبيعة السعودية الجغرافية، وتباعد مدنها وقراها، واحتوائها على كم كبير من القبائل العربية وحركات النزوح والانتقال والثقافات المتعدّدة، نلاحظ تنوّعًا لافتًا في شكل العيد المتعارف عليه لدى المجتمعات المحلّية.

في المنطقة الشرقية، يحدثنا أحمد العُمر عن تقارب أصلي ومقصود لمنازل الأسرة المكونة من الأعمام والجد والجدة، وهذا مبني على توافقات عائلية تؤكد على الترابط والتكاتف كقيم أساسية ضامنة للبقاء.

ويتابع العُمر "تتوجه العائلة لصلاة العيد، يليها الاجتماع السنوي المعروف للعائلة الكبيرة في مجلس أحد رجالات العائلة. وتحرص كل عائلة على جلب طبقها الخاص لسفرة الإفطار. أما الطبق الرئيسي فهو "المُحمَّر"، وهو طبق من الأرز يعلوه البيض، وهي وجبة شعبية أصلها من الزبير في العراق". ثم تجتمع العائلة في المجلس الصغير (منزل الجد المباشر)، حتى صلاة الظهر. ثم تزور كل عائلة صغيرة الأخوال، لتنتهي بعد ذلك فعاليات العيد.


وعن الأحساء، يحدثنا عبد الله بو جديع عن اكتفاء عائلته بزيارات، الأعمام والأخوال، في نفس المدينة بعيدًا عن التزامات العائلة الكبيرة. ويبدأ يوم العيد بزيارة الأعمام والأجداد، تليها وجبة الإفطار، ثم زيارة الأخوال بعد الظهيرة. ويعتبر أن الأعياد اليوم لم تعد تحمل الأجواء الحميمية والعفوية كالسابق، يقول: "يسيطر الروتين والملل على مجالس الأعياد"، واصفاً الحال بأنه "تقارب الأجساد وتباعد القلوب".




ويرى بو جديع أن المجتمع النسوي لا يزال يحتفظ بقدر كبير من الحيوية ومظاهر الأفراح والعيد على عكس الرجال، مشيراً إلى الاستعداد المسبق والاتصالات التي لا تتوقف بينهن، وتحفّزهن الكبير حتى لحظة الاجتماع في المجلس العائلي يوم العيد.

في الجنوب، يختلف الأمر قليلاً، فمع حركة النزوح إلى المدينة وانتقال كثير من العوائل للمدن، أصبح التزاور يفرض الاستعداد المسبق للسفر. ويتفق كبار الأسرة على التجمّع في مكان واحد، حيث الأجداد عادة، أما في حال غيابهم فيكون مكان الالتقاء من نصيب الأخ الأكبر.


يتحدث أنس المنتشري عن تقاليد عائلته الجنوبية، فبعد إنهاء صلاة العيد تبدأ الزيارات بتجمّع أبناء الجد المباشر وأحفاده وتناول طعام الإفطار. ويتوسط السفرة الشعبية صحفة العيش والعصيدة، إلى جانب العسل والسمن واللبن. ثم تتجهز العائلة لزيارة كبير فخذ العائلة، ويسمى "عريفة العائلة"، وتمتد الزيارة حتى صلاة الظهر.

وعن اليوم الثاني للعيد، يقول المنتشري: "تزور العائلة الأشخاص الأكبر سنًا والمرضى، إلى أن تتجمّع حول سفرة العشاء نهاية اليوم الثاني. أما اليوم الثالث فهو لزيارة الأخوال إلى جانب المناسبات والتجمعات العامة".


وبالانتقال إلى الحجاز قرى وحاضرة، نجد مجتمعًا غنيًا بالثقافات متعدّد المشارب والأطياف بحكم الطبيعة التاريخية. ومن أولويات العيد في الحجاز "العيديات"، وهي مبالغ مالية تصرف للأبناء وأبناء الأقارب.


من المدينة المنورة، يتحدث صدِّيق بخاري عن ارتباط أهل المدينة يوم العيد بالحرم النبوي، إذ يبدو أشبه بالبروتوكول الثابت لديهم. ويتابع "بعد الصلاة تتجه العائلة مجتمعة إلى بيت الجدّ، وتفتح الأبواب على مصراعيها لاستقبال أي زائر طيلة أيام العيد. ويحتفظ أهل المدينة بعادة زيارة البيوت مشيًا على الأقدام. وبعد الإفطار تبدأ زيارة الجيران والأقارب".




وفي الطائف، تحافظ العائلات على التقاليد القبلية، تبدأ بالاجتماع صباح العيد وتنتهي بزيارة الوجهاء وأعيان القبيلة على مدى ثلاثة أيام. ويتحدث صالح السفياني عن الاجتماع التقليدي الذي يعقد في "الحارة"، لإحياء ليلة العيد بلعبة "المزمار"، وهي رقصة حجازية شهيرة بالعصي. ويشير إلى استعاضة كثير من أهالي الطائف وضواحيها بتجمّع ثابت في الاستراحات مع توسّع أفراد العائلة إلى جيلين وثلاثة أجيال. وتحفل فعاليات العيد بالزيارات والنشاطات الرياضية والرقصات الشعبية مثل "حيوما" و"مقاميع" أو "التعشير". ويتقاسم رجال العائلة مسبقاً ميزانية العيد.


وأبدى السفياني تحفّظه على اللقاءات العائلية التي يسيطر فيها كبار السن على كل التفاصيل دون إفساح المجال للشباب لتقرير احتياجاتهم. وقال: "أخشى أن ينفّر هذا شباب القبيلة مستقبلاً، وهذا ما لا نريده".




ويغلب على مدينة جدة الساحلية الطابع المدني أكثر، وتحفل الأعياد بزيارة البيوت والذهاب إلى الاستراحات لغرض الترفيه المحض.


ويتحدث محمد خيَّاط من جدة عن حرص الأهالي على تزيين البيوت واقتناء الهدايا والبالونات استعدادًا ليوم العيد، وبعد الصلاة تحضر سفرة الإفطار الحجازية المتمثلة في طبق الحلوى الرئيسي "الدبيازة"، وهو عبارة عن مزيج من الخشاف (أو قمر الدين) والتين والمشمش الجافين واللوز والزبيب وغيرها، وترتبط هذه الأكلة بعيد الفطر حصرًا.


وبعد الجلسة العائلية الصباحية يقول خيَّاط: "نشارك الإفطار مع الأعمام بحضور الجدة حتى الظهيرة، ثم نزور الأخوال وجدتي لأمي، وتناول معاً وجبة الغداء ونلعب ألعاباً جماعية حتى قبيل المغرب، ثم تتجه العائلة كلها إلى البيت الكبير".


وتحتفظ العائلات السعودية بنوع من العفوية المتوارثة أثناء الزيارات، تتمثل في تجاور أبناء العم والخال من الجنسين، وتبادل التهاني دون تحفّظ بحضور الأجداد، الأمر الذي كان معمول به قديمًا في قرى الجنوب وغيرها قبل تأثره بخطاب محافظ ظهر مع بداية السبعينيات، وما صاحبه من آثار واسعة أتت على هوية المجتمع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق