السبت، 18 يونيو، 2016

غولدان الطائفي!




- نُشر على صحيفة إيوان24 بتاريخ الثلاثاء 7 يونيو 2016.

طاقة شريرة تقتات على أرواح الأبرياء، مشاهد لأطفال وأمهات وعُجّز خلف القضبان يتوسلون هذه الوحوش القبيحة المارَّة بينها لكي تُفرج عنها. يصرخ كبيرهم «غولدان»: لا، أنا بحاجة لكل واحد منهم!

هكذا بدأ الفيلم الخيالي الذي شاهدته قبل يومين، وهو من جملة الأفلام التي تعرض فكرة النزاع المستمر بين الخير والشر، العدل والظلم، الحميد والخبيث، الأصلي والطارئ، لكن الذي لفتني في هذا الفيلم هو الإيحاء الكامن خلفه: قصة تحت القصة. يبدو هذا النوع من الأفلام مملاً ظاهرًا، ومتشابه في كثير من جوانبه مع غيره من الأفلام، إلا أنه لم يكن كذلك عندما شاهدته.

تتحدث قصة الفيلم عن طاقة زرقاء اللون يملكها ساحر الملك، الملك البشري، تقاوم طاقة خضراء أخرى تملكها وحوش كاسرة، تشبه البشر، ولكنها ليست كذلك، وتقتاتُ على أرواح البشر، رعايا الملك. ولكي يتم إنعاش هذه الطاقة الشريرة فإنه لابد على هذه الوحوش أن تجمع البشر في أقفاص، ليقتات على أرواحهم كبيرهم «غولدان»، الذي من خلاله تُعزَّز هذه الطاقة الشريرة حيث يرسلها عبر الأثير إلى “بوابة المجد”، ليعبر من خلالها وحوش آخرون إلى العالم البشري!

هل أدركت ما أعنيه عندما قلت أنها قصة تحت القصة؟ وإيحاء شديد التركيز لمن يمكنه التقاط هذه المفاصل الذكية التي يعرضها الفيلم؟

لقد تبادر إلى ذهني أثناء مشاهدته أنها الطائفية! نعم، إنها الطائفية! الطاقة الخضراء المتوحشة التي تقتات على أرواح الناس لتشيِّد باب مجدٍ لأولئك الموتى السائرين من الساسة والكهنة أرباب المصالح والفساد ومشاريع التقسيم في بلداننا العربية.

لقد فعلت الدعوات الطائفية في بلداننا أكثر مما كنا نتوقع، وكما أني لستُ من أولئك الحالمين الذين يفصلون بين الطائفية -بوصفها حالة انكماش داخل العرق أو الدين والمذهب- وبين السياسة، فيعزونها إلى الدين فقط أو الدعوات القومية المحلية فقط؛ إلا أنها حالة من الفشل السياسي بامتياز قبل كل شيء، وكل ما بعد هذا الفشل هو تداعٍ طبيعي.

لقد فارق الشعور بالخجل السواد الأعظم من مجتمعاتنا عند الحديث عن طائفة فرد أو جماعة أو خلفياتهم الدينية والعرقية، ولقد أصبح التعريف الأول للشخص هو الانتماء البايولوجي الذي ولد معه، وصار من المستهجن أن لا تكون على معرفة بماهية الخلفية المذهبية/الدينية القادم منها زميلك بالعمل أو جارك بالمسكن وطبيب الأسنان الخاص بك!

يذكر «رشيد الخيون»، في أحد أحاديثه، أنه في صغره في العراق كان يخجل أن يسأل عن مذهب وطريقة جيرانه الصابئة عندما كان يذهب إليهم حاملاً أطباقًا صنعتها والدته! وكان أن جرَّب مرةً أن سأل والدته عنهم فزجرته قائلة: “شعليك بيهم؟!”.

في ذلك الوقت، يقول «الخيون» أنه وحتى لو طرأ على بال أحدهم سؤال حول مذهب أو ديانة جيرانه، فإنه لم يكن ليجرؤ، خجلاً، على إبداء هذا، فماذا لو أدرك الناس في ذلك الزمان زماننا الذي يحرِّض فيه شيخ ومعمم وسياسي قبلاً على طائفةٍ بأكملها ويهددها بالقتل والنفي؟ لابدّ أن نسلِّم -بأسف بالغ- بأن هذه الأيام ليست الأكثر حظًا لنا وللأجيال الحالية.

يتحدث لي صديقي الأردني عن فترة الثمانينات، وكان يسكن في صغره بعمَّان بحي الأشرفية، والذي يسكنه مسيحيون أردنيون من القبائل البدو الأردنية، وأرمن جاؤوا واستوطنوا في البلاد منذ عقود، يتحدث لي عن طبيعة الحياة في ذلك الحي: “لم يكن يخطر في بالي أن أسأل عن شيء كهذا!”.


لقد كان «أبو نايف بيَّاع القطايف» كما كانوا ينادونه، مسيحيًا، و«خالتو عِفُّو» كذلك، كان الأصل أن تكون ودودًا نبيلاً، وكان حق الجوار وأصالة أهل الدار لا يسبقهما شيء آخر مهما بدا محل جدل؛ تجمعهم القرية الواحدة والمدينة الواحدة، واللغة الواحدة، حرفًا ومجازًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق