الثلاثاء، 31 مايو، 2016

هل الشعوب نائمة حقا؟




- نُشر على صحيفة إيوان24 بتاريخ الثلاثاء 31 مايو 2016.

في كل مرة ومع ذكرى النكبة 1948، يطلق الصهاينة نكاتهم من أن العرب ومنذ قريب السبعين عامًا يقولون أنهم “قادمون”، حيث لم يأتِ منهم أحد. أحدهم وهو المتحدث باسم جيش الاحتلال «أفيخاي أدرعي» كتب ردًا على أحد التعليقات: “أين نحن، وأين أنتم! ترددون ذلك منذ إقامة دولة إسرائيل!”، وتعليقات شبيهة تصدر صراحة عن دعاية سلطات الاحتلال كلها تلتقي في فكرة أن هؤلاء العرب، الذين يزعمون أنهم سيقاتلوننا ويقومون بتحرير أراضيهم، هم مجرَّد «ظاهرة صوتية»، كما عبَّر عنها عبد الله القصيمي في كتابه.

القصيمي يصرُّ على أن غرور العرب وكبريائهم يجعل المسألة هنا ليست (وعدًا) يقطعه هؤلاء بالنّصر أو حيازة الامتياز فحسب، بل إقرار مباشر ابتداءً: “إنَّ العرب ليظلّون يتحدثون بضجيجٍ وادعاء عن أمجادهم وانتصاراتهم الخطابية حتى ليذهبون يحسبون أن ما قالوه قد فعلوه، (…) إنَّ من آصل وأرسخ مواهبهم أن يعتقدوا أنهم قد فعلوا الشيء لأنهم قد تحدَّثوا عنه!”، هنا حديثٌ عن حيلة تستخدمها الزعامات والنخب العربية لترميز انتصارات وتسطير بطولات لا وجود لها على الواقع، أو في أحسن حالاتها: لا تصنع فرقًا، أو التسلِّي بإطلاق شعارات النصر الموعود (=مفتوح الأمد) للإبقاء على الشعبية وبعض ماء الوجه أمام القضايا المصيرية، لكن هل المسألة تتوقف عند هذا وحسب؟!

نسمع كثيرًا، ونقرأ، عبارات اللَّوم على الجموع، تقريع المجتمع وعموم الناس، أنهم “لا يتحرّكون” إزاء المآسي التي تحدث في سوريا أو العراق مثلاً، تبدو نغمة مألوفة وحاضرة دائمًا، ومع كل هبَّة، يتم تسليط عبارات من هذا النوع من جلد الذات المستمر منذ عقود على مجتمعاتنا، لكن هل الإشكال فعلاً في المجتمع؟ في الناس؟ هل المخيال السينمائي يلعب دورًا هنا في افتراضنا لقطة لحركة حشود من البشر مشيًا على الأقدام إلى فلسطين لتحريرها، كما قال خطيب مرة، أو سوريا والعراق واليمن الآن لتوحيدهم؟ ماهي الفكرة من وراء أن الناس يجب عليهم أن يفعلوا شيئًا؟ مالمطلوب منهم أن يفعلوا؟!

من يجب أن يقوم بدوره هنا، ومن يجب أن يتلقَّى اللَّوم وأن يُساءل أمام قضايانا هم النخب، ومدى قيامهم بمسؤولياتهم تجاه إحداث فرق في العقلية الجمعية السائدة، إن إطلاق مثل هذه العبارات في وجوه أناس عاجزين شكلٌ من أشكال الهرب، وإن أول إعلان هزيمة حظينا به هو تخلي المثقف في عالمنا العربي عن الأدوار المفصلية المتعلقة بضرورة الوعي والتجرّد ومشاركة الحقائق ونسف الأوهام والأكاذيب بعيدًا عن الحسابات.

إن المستفيد من وراء عبارات التقريع الكلاسيكية هذه الموجَّهة للناس، والتي أدمنتها النخب لدينا هو السياسي وحده بلا شك، فهو يجعل الناس في حالة من الجاهزية المستمرة، مشاعر الخوف والقلق، تأنيب الضمير والعجز، هذه مشاعر يمكن استثمارها دائمًا عبر التوظيف الدعائي، رغم أنه هو وحده من يقدر على أن يصنع الفرق.

إن الفرد في هذه المجتمعات العربية، وسط ما يحيط به من أحداث على مستوى المنطقة، ومع اعتبار غياب التمثيل واحتكار اتخاذ القرارات نيابة عنه، بل وحتى المساهمة في بناء فرضيات نيابة عنه، وصولاً إلى الأكلاف الباهظة التي يتحمَّلها لقاء تحديد موقفه والانخراط فيه، يتحوَّل إلى كائن أناني تدريجيًا، كما يجد نفسه سالمًا في التجاهل التام والانشغال عنها إلى حياته الخاصة، رغم مأساوية المشاهد وخطورة الأحداث، ورغم حتمية وجود خلفية فكرية ينطلق منها والرابطة التي يتبنّاها أيًا كان شكلها.

لن تزحف حشود إلى أيّ مكان، إنما إذا أردنا محاسبة الجماهير، فليس قبل تسوية سياسية جديدة، وإذا كانت النخب ستستمر في معاركها الداخلية وانتماءاتها الضيقة عوضًا عن تسخير نفسها لمهمتها التاريخية بتعبيد الطريق الموصل إلى تلك التسوية فلن يكون من الممكن اعتبار المجتمعات في محل فاعل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق