الأربعاء، 7 أغسطس، 2013

ممكن نعيّد يا مولانا ؟!



- مقال بتاريخ 8 سبتمبر 2012، معاد النشر.

يستيقظ الجميع صباحًا تأهبًا واستعدادًا ليوم عيد حافل، ذاك أمام المرآه يضع عقاله على رأسه بشكل مناسب وآخر يشد ربطة عنقه الذهبية وآخر العمّة، فالطربوش. العالم الإسلامي كله في أهبة الإستعداد ليوم حافل ومليئ بالمفآجات. يوم يحبه المسلمون ويحبهم، بل يوم بهجة للعالم، وعلى المسلمين أن يعكسوا ذلك للعالم.

ينطلق الجميع إلى المصلى مكبرين. بأطفالهم. رجالا ونساءًا. بسعادة واسفهلال. لا ينتظرون شيئًا ولا يلزمهم شيء غير إطلاق الضحكات ولطيف المزاح والحمد والشكر والإبتسامة الطيبة العفوية، رقيٌ في الروح وتجلٍ كبير وواضح مستشعرين خصوصية هذا اليوم

يصطفون في الصف. ينتشي الأطفال متظاهرين بالثقة التامة استعدادًا للصلاة في كامل زينتهم. الأب يربت على كتف ابنه سعيدًا في صورة من العاطفة الدينية الجميلة والمثالية. كل شيء جميل، التفاعل والمرونة والحيوية الكبيرة. يدخل عليهم فضيلة الشيخ. يصلي. الله أكبر. ينتهي. يبدأ بإلقاء تلك الخطبة! ويالها من خطبة!

يبدأ بالبسملة والحمدله والصلاة على النبي. يذكّر بنعمة إدراك رمضان وإقامة حقه. يبشر الصائمين القائمين بالظفر اليوم، فاليوم يوم الغنيمة! إلى هنا شيء عظيم. إلى هنا يفترق الخطباء إلى رجلين. فالأول يشرع في تدعيم فكرة السرور والفرح والإيجابية. يشارك الناس بساطتهم واحتفاليتهم، لا يتكلف، غير معقد، سهل التعامل، طلق المحيا. هذا عرفناه، ونشكره على ذلك بحرارة، على تأدية الأمانة وإفاء الحق، حق المنبر وحق الآذان الصاغية! الآخر. عزاء بصبغة العيد! فلا أنت في عزاء ولا عيد.

العيد يوم لا يحتمل إلا الفرح. لا يحتمل أي شيء غير ذلك بحال. عندما يأتي مولانا ليذكرنا برمضان، ويستمر في ذكر صور التقصير والضعف، ويقبضُ وجهه، ويدخلنا للحظات في نوبةٍ من البكائيات والنوائح.. فهذا ليس خطيب صلاة عيد. نحن أمام حالة نفسية معدية تحتاج إلى نظر وعلاج مكثف. وردة الفعل المناسبة أن يقوم الناس عنه. وهذا قد يكون من البدهيات عند بعض العامة الذين يفضّلون السلامة على العدوى طبعًا. أجد - فعلا - أننا نحتاج إلى توعية وتدعيم استراتيجية الإنسحاب الكامل تجنبًا لأي إصابات من شظايا فضيلته النفسية التي - قطعًا - لن تزيدنا إلا حضورًا طاغيًا للسلبية وتكدرًا عريضًا في المزاج. لا أبالغ. انسحب.

خطبة العيد يا مولانا لا تحتمل أي صورة من صور السلبية. لا تحتمل العبوس والغيرة البدوية الجافة المصطنعة والإنكار على السهر والرقصات الشعبية والخروج العائلي بأي صورة كانت. أنت تنكر على مسائل خلافي ولعلّك تعلم مقولة ابن القيم: لا إنكار في مسائل الخلاف. تجاوز خطاب: لا تفعل وافعل. لا تفعل وافعل. افرحوا (ولكن)! وهلم في أسلوب التكرار والإجترار البارد والمهضوم!

أترك حرية الإختيار للناس، وجه المشاعر فقط. خطبة العيد لا تحتمل أن تكون أسلوبًا من أساليب الحشد، كونوا معنا لا تكونوا مع أولئك، كونوا معنا واحذروا من أولئك أن يسلبوكم دينكم! خطبة العيد - يا مولانا - لا تحتمل الدخول في حياة الناس بسوداوية مقزّزة وبسوء نية وطوية وبهذا الشكل المسرف الذي يتعمد تكبير العدسة على الخطايا والظواهر السلبية وتمرير الفضائل والصور المفعمة بالحيوية والعفوية مرور الكرام، أو بإشادة (بايته) لا معنى لها.

يا مولانا.. كفّ عن النواح.. لا تحرق ابتسامة الحاضرين بالقنوط واليأس والبؤس المسطر في الورقة التي أمامك. أيها الإمام الأعظم.. لا تخص حديثك عن النساء في الزينة. لا تظلم إماء الله. لقد مللنا من ذكوريّتك بالمناسبة! أليس هناك ما يستحق أن تتحدث به عن نصف مجتمعك غير الحجاب والمكياج والعطور وعدم مخالطة الرجال والحذر من (الحملة) الليبرالية الشرسة! ألا تخجل؟!

مولانا.. كفّ عن النواح.. وجّه الناس إلى الأفراح. فقط هذا دورك. لا تعترض طريقهم بعقدك وأمراضك! تذكر الدفوف التي كانت تضرب في بيت رسول الله والتي كان يدفع أبو بكر - رضي الله عنه - عنها. تذكر رقص الأحباش في المسجد النبوي ودفع رسول الله أمنا عائشة لرؤيته. كن سببًا في تقريب الدين إلى الواقع، دين السماء إلى الأرض. تدينٌ إنسانيٌ يحترم الطبيعة المجتمعية ويقدّر تفاعل وحيوية الناس ويتخلخل بينهم.

لا تجتر الخطب! لا تكن روتينيًا مملاً. قد حفظ الناس قولك وحرفك! استشعر أمانة الكلمة. لا تكن سببًا في نشر السلبية. لا تكن سببًا في قتل يوم العيد ونحره على غير قبلة بعباراتك الباردة والممزوجة! كما كنت ترعد وتزبد، وترهب وترغب في الإستزادة من العبادة في رمضان، يلزمك الآن أن ترغب في الفرح كما أمر الله، أن ترغّب في الضحك والبشر والشكر والسرور، فقط. تذكر أنك أنت المسؤول الأول عن هذا، وتذكر أن الله سائلك.


ممكن نعيّد يا أصحاب البشوت؟! مشان الله. عيّدوا معنا. وإن لم تريدوا. فأغلقوا الباب على أنفسكم، ومارسوا النكد بعيدًا كما تحبّون. لا على المنابر. وكل عام وأنتم أبعد عن أدوية الضّغط والسكر!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق