الأحد، 7 أبريل، 2013

إسرائيل، المشاغبة فقط!




هناك عجاجٌ خانق من الأفكار بدأ يظهر خلال الخمس سنوات الأخيرة بوضوح بعد كل حرب بين غزّة والإحتلال، أو بين الفلسطينيين بشكل عام والإحتلال، أو بين الخير المتمثّل في مقاومة الإحتلال بأي شكل، من أي إنسان صدر، وبين الشّرور المتمثّل في كيان الإحتلال الإسرائيلي الغاصب، وهو الخطاب الذي يرتدي عباءة الإنسانية والتنوير، وهو وأقسم بعيدٌ عنها كل البعد. أنا ممّن أتبنّى الخطاب الإنساني فعلاً، وأجادل باستمرار دفاعًا عنه، ولكن ما يصدر عن هؤلاء المتبنّين لهذا الفكر؛ فعلاً متناقض أولاً ويضرب في مبدأ الإنسانية في الصّميم ثانيًا ومعيب ومخجل ومتراجع أخلاقيًا ثالثًا.

بدأت السّخرية وبدأ التشكيك في المقاومة المسلحة، والتّصفيق للإتفاقيات والمفاوضات منزوعة الحق والدّسم التي تقوم بها السلطة الفلسطينية الفاشلة بشكل مثير للإحباط بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وكله بمنطلق إنساني كوكتيلي أعوج غير مفهوم. بدأت توصف المقاومة المسلحة (بالمتعدية والإرهابية)، وبدأت المماهاة مع الإحتلال الإسرائيلي. بدأ الثّلم والتجريح في المقاومة المسلحة الشّريفة والمقاومين الأبطال، وبدأت الإشادة بالإحتلال الإسرائيلي "كدولة" ديمقراطية عادلة تحمي حدودها متقدمة وتكنولوجية تفيد العالم. وكله بلسان الإنسانية والتنوير. بصفتي أحد المنتمين - بطبيعة الحال - لهذا الخطاب، أقول: أنا لا أعرف هؤلاء، ولا أتبنّى الفكر الذي يتبنّونه، وفنيتُ وفنيَ جسدي إن تبنّيته يومًا.

يصف هؤلاء أن المقاومة المسلحة هي مقاومة لا إنسانية تقصف "أبرياء عُزَّل"، وكأن القصف والقتل والإعتقال الذي يطال الفلسطينيين كل يوم؛ هو اعتقال لمجرمين ولمطلوبين للعدالة وليسوا مدنيين أيضًا يطالبون باسترداد حقّهم وأرضهم. حسنًا.. سيقول لك هؤلاء: لا تعاملهم بالمثل. يا سلام! وكأنهم بإقامتهم الصّريحة المكسوّة بالشّرعية فوق الجماجم والأشلاء والدّماء؛ يُعتبرون مدنيين خُلَّص وأبرياء؟ شخصٌ ما احتل بيتك وطردك منه عنوةً بالسلاح وهو يهدُّ جداره، وقتل واغتصب وشرَّد أفراد أسرتك، وسكن به، وهو يعرف تمام المعرفة أنه محتلٌ لبيتك مغتصبٌ لحقك سارقٌ لأرضك.. بريء؟ مدني؟ أعزل؟

وصْف المستوطنين المجرمين بأنهم "مدنيين" هو وصفٌ يريد الخطاب الوحشي اللا إنساني حامل حمامة السّلام المذبوحة والمدعوم من أمريكا ورفاقها ترويجه. وهذا ما يستيقظ الأحرار والشّرفاء والمتنوّرون والإنسانيون بحق لأجله وكشفه وتعريته وتجليته لهؤلاء المنظّرين المساكين ولعموم المتابعين الأبرياء الذين ربّما ينطلي عليهم الأمر.

إسرائيل بقعةٌ سوداء محتلة. الإسرائيليون مجرمون، ومستوطنون محتلون، وقتلة، وأوباش، ويراهنون بعلاقتهم الوطيدة بأمريكا وعلاقات أخرى مبنيّة على المصالح والضّخ الكبير والهائل للأموال ورجال الأعمال لضمان بقائها وتمويلها ووجودها. إسرائيل مجرّد عصابة غاصبة من أبسط الحقوق مقاومتها بالسّلاح أو بالقلم والإعلام أو بالتقنية والتكنولوجيا أو غيره. إسرائيل ليست دولة، وما يقدّمه هذا الكيان للعالم من تكنولوجيا وأبحاث ودراسات يفيدها هي ويعلي من شأنها هي قبل أن يفيد العالم أو يعلي من شأنه، وإن أفاد العالم والإنسان كما يقول هؤلاء، فخدمةٌ لإنسانٍ هم يقتلونه! هذه الأمور واضحة ولا تحتمل الرّمادية.

أخيرًا - وهو ما حمّسني لكتابة المقال وجعله محتّمًا - هو إعلان منظمة أنونميس فتح جبهة إليكترونية يوم ٧ أبريل ٢٠١٣ لاختراق المواقع والبنوك المصرفية للإحتلال، وأصدرت ڤيديو ترويجي لهذه الحملة، وأرفقته بعد ذلك بڤيديو آخر يظهر فيه شخص يشرح أسباب العملية.

بارك الناس العملية عبر تويتر وغيره..

وككل مرّة، يظهر هذا الخطاب المتناقض والمقرف مجددًا. لاحظوا أنه لا خسائر بشريّة، ولا صواريخ للمقاومة، ولا وساطة لمحمد مرسي "الإخواني" ولا غيره. لا شبهة في الأمر، منظمة أناركية لا سلطوية عالمية تدعم الحريّات دعت لحرب إلكترونية أسقطت فيها الكثير من المواقع الحكومية والتجارية والعسكرية بإحصائيات تقدّر بـ (١٠٠) موقع كل ٤٥ دقيقة أو أقل وعبر (٩٠٠٠) ناشط حقوقي في مجال الإختراقات والهاكر، وغرفة عمليات مشتركة ومفتوحة حول العالم.

ظهر هؤلاء بخطابٍ ساخر ومفضوح، مفاده: (مالذي يمكن أن تفعله هذه الإختراقات؟) (عجز العرب عن الإنتصار عليهم على أرض الواقع (فتشيطروا) عليهم عبر العالم الإفتراضي) رغم أن المنظمة لا تحمل هوية دينية أو قومية ولكنه العجب. (دولة إسرائيل دولة قوية وسترد ولن تسكت!) (هؤلاء يحلمون بأن تتحرّر فلسطين، وفلسطين لن تتحرّر!). قائلوا هذه العبارات بيننا هنا نعم وليسوا مستوردين!

وعندما تسألهم على تويتر: أليست مقولتكم بأنها "لن تتحرّر" لون من ألوان الهوان والضّعف الذي وصفتم بها المقاومة ابتداءً؟ يحكّون آذانهم ويتوارون عن الأنظار. وعندما تسألهم: كيف تريدهم أن ينتصروا؟ وهل تؤيد المقاومة المسلحة "الدّموية الإرهابية" إذًا كما تصفها؟ يتظاهر بعدم السّماع ويرفع صوت الموسيقى. وعندما تسألهم: كيف تصف كيان الإحتلال الذي فعل ويفعل؛ بأنه "دولة ديمقراطية عادلة"؟ يختفي أيضًا.

أقسم أني تناقشت مع أشخاص مختلفين، ولا يعرفون بعضهم، وتوصّلت إلى ذات النتيجة، إلى حدٍ متشابه "تمامًا إلا". وبعضهم بصراحة يرفض المقاومة، ويسمّي رفع المقاومة للسّلاح في وجه المحتل (إرهابًا) والتنازل عنه في حين لا يزال المحتل رافعًا له ويضرب به (إنسانيةً وسلامًا). أنا لا أستطيع أن أتفهّم هذه اللّعنة والضّعف والتراجع الإنساني فعلاً!

ربما لأن أصحاب هذا اللون من التناقض يرفضون باستمرار الهوية القومية أو الإسلامية والإعتزاز أو التفاخر بها على غيرها ويعترفون بالهوية والمشترك الإنساني الجامع. كإنساني أتفهّم جيدًا الشِّق الأول رغم بعض الملاحظات الخفيفة والرّؤى التي لم تكتمل، وأؤمن تمامًا بالشِّق الثاني الذي يخص المشترك الإنساني، لكنهم يفْرِطون في تناول الشِّق الأول الذي يخص رفض أي هوية غير الإنسانية لدرجةٍ مقزِّزة، لذلك لديهم عقدة من كل ما يتّصل بالهوية القومية أو الإسلامية "التي ربما كانوا يتبنّونها يومًا بحماسة"، فقرّروا التخلص من كل هذا ليريحوا أنفسهم، فوقعوا في تناقضٍ وازدواجيةٍ وإشكالٍ أكبر.

ندائي إنسانيٌ وحقوقي، ليس إسلاميًا ولا قوميًا عربيًا هنا: الإحتلال الإسرائيلي يغتصب العدالة وتطبيقات السلام على الكرة الأرضية، الإحتلال الإسرائيلي يمرّغ وجه هذا الكوكب في الوحل. هذه المراوغة واللّعب على الوتر العاطفي والتّضليل باسم الإنسان والتنوير لا نقبلها ولن نقبلها. فلسطين باقية، وإسرائيل زائلة، طال الزّمن أم قصر، وسيظل الأحرار والإنسانيّون الحقيقيّون ينادون بهذا ويورّثونه ويعلّمونه لأبنائهم وأحفادهم حتى تزول هذه البقعة السّوداء من أرض فلسطين الطاهرة، وحتى يعود المقدسيين إلى بيوتهم ويذهب الإرهابيين الحقيقيين إلى المحاكمة فالسّجون الفردية أو النّفي والعزل عن الحياة العامة حتى يموتوا مهجوسين بلا أدنى أسفٍ عليهم.

الإنسان تشظّى بهؤلاء الأشرار. الإنسان عضّ الأرض وهذه العصابة تسرق أراضٍ ومساكن وتقتل أصحابها. الإنسان يبكي بمرارةٍ على هذا التواطؤ العالمي للوقوف مع الجزّار ضد الضحيّة، ولجزّ رقبة المجني عليه بيد الجاني مرّتين وثلاث وعشرة. الإنسان سئم من المتشدّقين باسمه، السّفسطائين أصحاب التّرف الفكري وتراجع الضّمير والمنطق. الإنسان يلعنكم صدّقوني.

باسم الإنسان: عاشت فلسطين والمقاومة، والموت لإسرائيل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق