الثلاثاء، 21 يونيو 2016

هل تورّط ناصر القصبي في «سيلفي»؟




- نُشر على صحيفة إيوان24 بتاريخ الثلاثاء 21 يونيو 2016.

نجح ناصر القصبي طيلة عقدين من الزمان في خلق حالة كوميدية محلية طبعت بصمتها في ذاكرة جيلين تقريبًا تعوّدوا على مشاهدة «طاش ما طاش» على مائدة الإفطار في رمضان كلّ عام طيلة 18 موسمًا، بالاشتراك مع رفيق دربه عبد الله السدحان، واللذان بدا للمشاهد أنهما سيستمران “إلى الأبد” كثنائي فرض سلطته على مناقشة ظواهر المجتمع في قالب درامي كوميدي. نجحا في الاحتكار لوقت طويل، ولكن هذا التوأم السيامي وبعد عقدين قرّر الانفصال.

منذ تلك اللحظة، يبدو أن الحظ حالف القصبي أكثر من السدحان، فحافظ الأول على شعبيته وتوجّه بها إلى «أبو الملايين»، العمل الأضخم بعد إنهاء «طاش»، وفضّل الآخر العودة إلى القناة الأولى والأجواء الكلاسيكية الدافئة هناك، حيث لا أحد.

بعد «أبو الملايين»، بمشاركة عبد الحسين عبد الرضا، والذي يبدو أنه لاقى نجاحًا نسبيًا، أطلق ناصر القصبي في السنة التالية العمل الكوميدي الدرامي «سيلفي»، المسلسل الذي يناقش قضايا المجتمع في حلقات رمضانية يومية متنوعة، في عودة أقرب إلى حنين القصبي إلى «طاش»، ولكن كان من الحاسم منذ الحلقة الأولى تعذّر أن يكون أيّ عمل آخر قادر على معادلة «طاش» والإرث الطويل، على ما عليه من نقودات.

لست هنا لاستعراض كامل حلقات «سيلفي» ونقاش ما تم عرضه فيها، كما لست حريصًا على إشباع رغبة القارئ الذي ينتظر مديحًا صرفًا أو ذمًا صرفًا؛ إنما أريد مناقشة الظاهرة بشكلٍ عام، فالمسلسل تحوّل إلى وجبة ثقافية يومية للمشاهد المحلّي والخليجي بالعموم، يتناولها على الإفطار ويهضمها -أو العكس- تاليًا في المجالس العامة ومواقع التواصل الاجتماعي.

يحاول كثيرون تصوير «سيلفي» وكأنه المتحدث الرسمي باسم الحالة الثقافية المحلية في السعودية، كما يحاولون تصويره وكأنه الوكيل الحصري لنقدها وتشكيل ردة الفعل المناسبة وثم معالجة ظواهر المجتمع. وهذه مغالطة من جهتين، الجهة الأولى أنها ليست صحيحة، فهناك تيارات وتشكّلات ثقافية أكثر مما يحاول «سيلفي» تصويره، وأعمق من الطرح المحدود الذي يعرضه المسلسل أو الشخصيات التي يعرضها في حلقاته. والجهة الأخرى أن هذا الخطاب يحاول اختصار الحالة الثقافية في مسطرة «سيلفي»، وبالتالي فهو يطالب الجميع بالعودة إليها أو التماهي معها، وهذا ليس من حقِّ أحد.

وحتى نستطيع استيعاب الطرح الذي يحاول القصبي وفريقه تقديمه، لابد من فهم أن «سيلفي» يأخذ أسلوب معالجته للأمور من خلفية ليبرالية محلية كلاسيكية، هذا إطاره، وهذا أسلوبه في تناول موضوعات المجتمع، وبالتالي يكون من غير المفهوم مطالبة البعض للمسلسل بأن يكون حقوقيًا صرفًا مثلاً ليثبت مصداقيته، أو أن يلعب دور المحاكمة لأدوار السلطة، هو غير مهتم بهذا أصلاً؛ فهو ينطلق من نقد المجتمع والعودة إلى نقد المجتمع دون التطرّق للكبار الذين يسيطرون عليه ويملكون أدوات تشكيله والتأثير عليه، وهذا ما أثبتته حلقة «معرض الكتاب» عندما صوَّرت القصبي كممثل عن وزارة الإعلام في المعرض وسط جدال بين متشدّد “لا يملك صفة رسمية”، ومثقف، في محاولة لإزاحة وزارة الإعلام وجهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -الحكومي- والسلطة من ورائها من أي دور لعبته وتلعبه في التأثير على المشهد طيلة السنوات الماضية.

أعتقد أننا بحاجة إلى نقد ذاتي لكثير من الظواهر في مجتمعنا، كما من غير المفيد أن يتم نسبة كل هذه الظواهر لأدوار تلعبها السلطة بطبيعة الحال، فلدينا مشكلات سابقة عليها ومتجذِّرة أكثر مما نتصور. «طاش» قدم شيئًا من هذا في صورة كوميدية مقبولة لدى الناس، أما «سيلفي» فهو يحاول إعادة إحياء هذا القالب في طور جديد، ولكنه -حتى الآن- لا يبدو أنه جدير بالثقة.

السيناريو البسيط والمعالجة السطحية للقضايا والإخراج الفني الركيك جدًا هي سمة بارزة في المسلسل، فالسيناريوهات المطروحة متوقعة، وهي أشبه بما كنا نقدمه في المسارح المدرسية في طفولتنا، أما حلقة «ليلة»، والتي ظهر فيها القصبي بصورة المتعاطي، فلا يبدو أن السيناريو تجاوز روشيته صغيرة تحتوي على العبارة التالية: حاول أن تستغرق وقت الحلقة، وأن تبدو مضحكًا. نجحوا في الأولى، وفشلوا جميعًا في الثانية، تمامًا.

الأفكار بدت كما لو أنها أقرب إلى الوعظ منها إلى أي شيء آخر، خذ مثلاً حلقة «نسف»، حيث بقي القصبي -وكان هذا دوره فقط- طيلة الحلقة في غرفة واحدة كزعيم لجماعة إرهابية، ويرسل أحد الانتحاريين لتنفيذ عملية تفجير لمسجد للطائفة الشيعية، ليتراجع الأخير ويلتقي بشخصية شيعية بسيطة أخرى من أهل المدينة، يجمعهما حوارٌ سمج آخر، ثم يلتقيان أخيرًا برومانسية على الشاطئ ليقوما بغناء وطني الحبيب لطلال مداح، على العود!

أيضًا حلقة «لجوء»، قصة بطولية لدكتور سعودي يحاول إنقاذ طفلة سورية، حيث يقوم بتهريب نفسه معها عبر قارب إلى أوروبا لتسليمها إلى قريبتها.. يدخل «تهريبًا» إلى أوروبا.. ثم يعود بالطائرة!

هل يليق سيناريو ساذج كهذا بالُمشاهد؟ ثم هل يليق هذا بشخصية فنان بحجم ناصر القصبي؟ وهل يعتقد مؤلف العمل والمخرج أن قصة كهذه تستحق أن تدوَّن في سيرتهم الذاتية؟ ثم هم يخاطبون من؟ أين الحبكة الدرامية؟ وأين ذروة الحدث؟ لا شيء من كل هذا.


ظهر عبد الحسين عبد الرضا في لقاء مع داود الشريان هذا الأسبوع وقال أن القصبي شخصية خجولة، وتتماهى مع تعليمات المخرج دون اعتراض، ويستحق أن يتم الاعتناء به بشكل أفضل. تصريح عبد الرضا قابله القصبي بترحيب، فهل سنشهد تغييرًا في الأعمال القادمة؟ أم أن إرث العقدين من الزمان سيصبح “ذكرى تدق في عالم النسيان”؟

السبت، 18 يونيو 2016

هل ذوي الاحتياجات الخاصة معوقون؟!




- نُشر على صحيفة إيوان24 بتاريخ الثلاثاء 14 يونيو 2016.

هل يمكننا أن نتحدث عن ذوي الاحتياجات الخاصة خارج نطاق مفهوم «العجز»؟ نبدأ بهذا السؤال كرد على فرضية تعتمد على فكرة الشفقة في منطلقها لمعالجة أوضاع ذوي الاحتياجات الخاصة في مجتمعاتنا. إن هذه الأقلية -إن صح وصفها بذلك- لا تلقى الرعاية الكافية، ولا أتحدث هنا عن الرعاية المادية فهذا ملف مؤرق ويطول الحديث فيه، بل أتحدث عن الرعاية المعنوية ابتداءً.

إن أي مشروع جاد يدور حول تحسين جذري لأوضاع 1.5 مليون من ذوي الاحتياجات الخاصة في السعودية لا يمكن أن ينطلق إلا عبر معالجة اللغة التي يتم التعامل بها معهم. إن أي نظرة دّونية يتم التعامل بها معهم لا تساعد في خدمة الأوضاع المحسَّنة المنشودة.

لدينا حوالي %7 من إجمالي السكان من هؤلاء، ما يعني أنهم موجودين فعلاً بيننا، إنهم في كثير من البيوت ويتعاطون مع حياتنا اليومية ومستجداتها، ويتأثرون، وكل ما يحصل معهم بدءً بلغة التخاطب وانتهاء بالرعاية الشاملة ينعكس علينا كمجتمع ومؤسسات وكصورة نمطية، على المستوى الأخلاقي أولاً وثانيًا والخدماتي ثالثًا.

لا زالت كثير من الصحف تتعامل مع مصطلح «معوَّق» كتعريف كلاسيكي لذوي الاحتياجات الخاصة، كما لا زالت تتعامل مع أخبارهم كموضوعات ثانوية يتم ملأ الفراغ بها، بل أن لدينا جمعيات ومؤسسات معنية بخدمة هذه الفئة وتوفير الجو الداعم لهم وتتعامل أيضًا مع هذا المصطلح: جمعية المعوقين!

أنت تُفرغ عليهم هذه الوصوفات وتنسبهم للعَوَق باستمرار، وتنظر إليهم بعين الشفقة، وتحملهم على العزلة كونهم عاجزين، أنت تمارس عليهم كل هذا الإرهاب المعنوي الذي أصبح يبدو كمُسلَّم به، ثم تريد النتيجة أن يندمجوا في الحياة العامة ويكونوا فاعلين بها؟!

لا يجب أن تكون الصحّة الظاهرة أو المرض الظاهر دلالة وحدها على العَوَق من عدمه، وإن كثيرًا من الأسوياء ظاهرًا والأصحّاء بدنًا تتجمّع فيهم كلّ مظاهر العجز والعَوَق باطنًا، كما يجب قبل كل شيء تحطيم كل خطابات ومظاهر التهميش والاحتقار لهذه الفئة، غير المباشر ربما، ولكنه يفعل الكثير، بنوايا طيبة أحيانًا، ولكنه يدمرهم معنويًا ونفسيًا.


قبل القيام بأية خطوة جيدة إلى الأمام، يجب أن نقوم بمعالجة مفاهيمنا نحن تجاههم، تجاه اللغة القاسية، والنظرات الباردة، والخصوصية في التعامل معهم والتي تشعرهم بالعزلة. لقد نجح كثير من ذوي الاحتياجات الخاصة في تجاوز كثير من العقبات، التي أثبتوا أنها وهمية، ونجحوا في الزواج والعمل وتحقيق الإنجازات، أما نحن فنفشل كل مرة في إدراك ذلك.

غولدان الطائفي!




- نُشر على صحيفة إيوان24 بتاريخ الثلاثاء 7 يونيو 2016.

طاقة شريرة تقتات على أرواح الأبرياء، مشاهد لأطفال وأمهات وعُجّز خلف القضبان يتوسلون هذه الوحوش القبيحة المارَّة بينها لكي تُفرج عنها. يصرخ كبيرهم «غولدان»: لا، أنا بحاجة لكل واحد منهم!

هكذا بدأ الفيلم الخيالي الذي شاهدته قبل يومين، وهو من جملة الأفلام التي تعرض فكرة النزاع المستمر بين الخير والشر، العدل والظلم، الحميد والخبيث، الأصلي والطارئ، لكن الذي لفتني في هذا الفيلم هو الإيحاء الكامن خلفه: قصة تحت القصة. يبدو هذا النوع من الأفلام مملاً ظاهرًا، ومتشابه في كثير من جوانبه مع غيره من الأفلام، إلا أنه لم يكن كذلك عندما شاهدته.

تتحدث قصة الفيلم عن طاقة زرقاء اللون يملكها ساحر الملك، الملك البشري، تقاوم طاقة خضراء أخرى تملكها وحوش كاسرة، تشبه البشر، ولكنها ليست كذلك، وتقتاتُ على أرواح البشر، رعايا الملك. ولكي يتم إنعاش هذه الطاقة الشريرة فإنه لابد على هذه الوحوش أن تجمع البشر في أقفاص، ليقتات على أرواحهم كبيرهم «غولدان»، الذي من خلاله تُعزَّز هذه الطاقة الشريرة حيث يرسلها عبر الأثير إلى “بوابة المجد”، ليعبر من خلالها وحوش آخرون إلى العالم البشري!

هل أدركت ما أعنيه عندما قلت أنها قصة تحت القصة؟ وإيحاء شديد التركيز لمن يمكنه التقاط هذه المفاصل الذكية التي يعرضها الفيلم؟

لقد تبادر إلى ذهني أثناء مشاهدته أنها الطائفية! نعم، إنها الطائفية! الطاقة الخضراء المتوحشة التي تقتات على أرواح الناس لتشيِّد باب مجدٍ لأولئك الموتى السائرين من الساسة والكهنة أرباب المصالح والفساد ومشاريع التقسيم في بلداننا العربية.

لقد فعلت الدعوات الطائفية في بلداننا أكثر مما كنا نتوقع، وكما أني لستُ من أولئك الحالمين الذين يفصلون بين الطائفية -بوصفها حالة انكماش داخل العرق أو الدين والمذهب- وبين السياسة، فيعزونها إلى الدين فقط أو الدعوات القومية المحلية فقط؛ إلا أنها حالة من الفشل السياسي بامتياز قبل كل شيء، وكل ما بعد هذا الفشل هو تداعٍ طبيعي.

لقد فارق الشعور بالخجل السواد الأعظم من مجتمعاتنا عند الحديث عن طائفة فرد أو جماعة أو خلفياتهم الدينية والعرقية، ولقد أصبح التعريف الأول للشخص هو الانتماء البايولوجي الذي ولد معه، وصار من المستهجن أن لا تكون على معرفة بماهية الخلفية المذهبية/الدينية القادم منها زميلك بالعمل أو جارك بالمسكن وطبيب الأسنان الخاص بك!

يذكر «رشيد الخيون»، في أحد أحاديثه، أنه في صغره في العراق كان يخجل أن يسأل عن مذهب وطريقة جيرانه الصابئة عندما كان يذهب إليهم حاملاً أطباقًا صنعتها والدته! وكان أن جرَّب مرةً أن سأل والدته عنهم فزجرته قائلة: “شعليك بيهم؟!”.

في ذلك الوقت، يقول «الخيون» أنه وحتى لو طرأ على بال أحدهم سؤال حول مذهب أو ديانة جيرانه، فإنه لم يكن ليجرؤ، خجلاً، على إبداء هذا، فماذا لو أدرك الناس في ذلك الزمان زماننا الذي يحرِّض فيه شيخ ومعمم وسياسي قبلاً على طائفةٍ بأكملها ويهددها بالقتل والنفي؟ لابدّ أن نسلِّم -بأسف بالغ- بأن هذه الأيام ليست الأكثر حظًا لنا وللأجيال الحالية.

يتحدث لي صديقي الأردني عن فترة الثمانينات، وكان يسكن في صغره بعمَّان بحي الأشرفية، والذي يسكنه مسيحيون أردنيون من القبائل البدو الأردنية، وأرمن جاؤوا واستوطنوا في البلاد منذ عقود، يتحدث لي عن طبيعة الحياة في ذلك الحي: “لم يكن يخطر في بالي أن أسأل عن شيء كهذا!”.


لقد كان «أبو نايف بيَّاع القطايف» كما كانوا ينادونه، مسيحيًا، و«خالتو عِفُّو» كذلك، كان الأصل أن تكون ودودًا نبيلاً، وكان حق الجوار وأصالة أهل الدار لا يسبقهما شيء آخر مهما بدا محل جدل؛ تجمعهم القرية الواحدة والمدينة الواحدة، واللغة الواحدة، حرفًا ومجازًا.

الثلاثاء، 31 مايو 2016

هل الشعوب نائمة حقا؟




- نُشر على صحيفة إيوان24 بتاريخ الثلاثاء 31 مايو 2016.

في كل مرة ومع ذكرى النكبة 1948، يطلق الصهاينة نكاتهم من أن العرب ومنذ قريب السبعين عامًا يقولون أنهم “قادمون”، حيث لم يأتِ منهم أحد. أحدهم وهو المتحدث باسم جيش الاحتلال «أفيخاي أدرعي» كتب ردًا على أحد التعليقات: “أين نحن، وأين أنتم! ترددون ذلك منذ إقامة دولة إسرائيل!”، وتعليقات شبيهة تصدر صراحة عن دعاية سلطات الاحتلال كلها تلتقي في فكرة أن هؤلاء العرب، الذين يزعمون أنهم سيقاتلوننا ويقومون بتحرير أراضيهم، هم مجرَّد «ظاهرة صوتية»، كما عبَّر عنها عبد الله القصيمي في كتابه.

القصيمي يصرُّ على أن غرور العرب وكبريائهم يجعل المسألة هنا ليست (وعدًا) يقطعه هؤلاء بالنّصر أو حيازة الامتياز فحسب، بل إقرار مباشر ابتداءً: “إنَّ العرب ليظلّون يتحدثون بضجيجٍ وادعاء عن أمجادهم وانتصاراتهم الخطابية حتى ليذهبون يحسبون أن ما قالوه قد فعلوه، (…) إنَّ من آصل وأرسخ مواهبهم أن يعتقدوا أنهم قد فعلوا الشيء لأنهم قد تحدَّثوا عنه!”، هنا حديثٌ عن حيلة تستخدمها الزعامات والنخب العربية لترميز انتصارات وتسطير بطولات لا وجود لها على الواقع، أو في أحسن حالاتها: لا تصنع فرقًا، أو التسلِّي بإطلاق شعارات النصر الموعود (=مفتوح الأمد) للإبقاء على الشعبية وبعض ماء الوجه أمام القضايا المصيرية، لكن هل المسألة تتوقف عند هذا وحسب؟!

نسمع كثيرًا، ونقرأ، عبارات اللَّوم على الجموع، تقريع المجتمع وعموم الناس، أنهم “لا يتحرّكون” إزاء المآسي التي تحدث في سوريا أو العراق مثلاً، تبدو نغمة مألوفة وحاضرة دائمًا، ومع كل هبَّة، يتم تسليط عبارات من هذا النوع من جلد الذات المستمر منذ عقود على مجتمعاتنا، لكن هل الإشكال فعلاً في المجتمع؟ في الناس؟ هل المخيال السينمائي يلعب دورًا هنا في افتراضنا لقطة لحركة حشود من البشر مشيًا على الأقدام إلى فلسطين لتحريرها، كما قال خطيب مرة، أو سوريا والعراق واليمن الآن لتوحيدهم؟ ماهي الفكرة من وراء أن الناس يجب عليهم أن يفعلوا شيئًا؟ مالمطلوب منهم أن يفعلوا؟!

من يجب أن يقوم بدوره هنا، ومن يجب أن يتلقَّى اللَّوم وأن يُساءل أمام قضايانا هم النخب، ومدى قيامهم بمسؤولياتهم تجاه إحداث فرق في العقلية الجمعية السائدة، إن إطلاق مثل هذه العبارات في وجوه أناس عاجزين شكلٌ من أشكال الهرب، وإن أول إعلان هزيمة حظينا به هو تخلي المثقف في عالمنا العربي عن الأدوار المفصلية المتعلقة بضرورة الوعي والتجرّد ومشاركة الحقائق ونسف الأوهام والأكاذيب بعيدًا عن الحسابات.

إن المستفيد من وراء عبارات التقريع الكلاسيكية هذه الموجَّهة للناس، والتي أدمنتها النخب لدينا هو السياسي وحده بلا شك، فهو يجعل الناس في حالة من الجاهزية المستمرة، مشاعر الخوف والقلق، تأنيب الضمير والعجز، هذه مشاعر يمكن استثمارها دائمًا عبر التوظيف الدعائي، رغم أنه هو وحده من يقدر على أن يصنع الفرق.

إن الفرد في هذه المجتمعات العربية، وسط ما يحيط به من أحداث على مستوى المنطقة، ومع اعتبار غياب التمثيل واحتكار اتخاذ القرارات نيابة عنه، بل وحتى المساهمة في بناء فرضيات نيابة عنه، وصولاً إلى الأكلاف الباهظة التي يتحمَّلها لقاء تحديد موقفه والانخراط فيه، يتحوَّل إلى كائن أناني تدريجيًا، كما يجد نفسه سالمًا في التجاهل التام والانشغال عنها إلى حياته الخاصة، رغم مأساوية المشاهد وخطورة الأحداث، ورغم حتمية وجود خلفية فكرية ينطلق منها والرابطة التي يتبنّاها أيًا كان شكلها.

لن تزحف حشود إلى أيّ مكان، إنما إذا أردنا محاسبة الجماهير، فليس قبل تسوية سياسية جديدة، وإذا كانت النخب ستستمر في معاركها الداخلية وانتماءاتها الضيقة عوضًا عن تسخير نفسها لمهمتها التاريخية بتعبيد الطريق الموصل إلى تلك التسوية فلن يكون من الممكن اعتبار المجتمعات في محل فاعل

الثلاثاء، 24 مايو 2016

الهوية الأخلاقية: بين المثاليات والفصام




- نُشر على صحيفة إيوان24 بتاريخ الجمعة 27 مايو 2016.

هناك مناطق محرمة في عموم مجتمعاتنا العربية لا يبدو أن أحدًا مستعد للدخول إليها وتفكيك حقول الألغام المنتشرة بها، الجميع يصاب بالذعر، ويتمترس خلف مقدمات تمهيدية ومبررات يبتغي من ورائها دفع اللَّوم والتجريح الذي قد يطاله عند طرح أي فكرة عن حقيقة ما يجري في تلك المناطق المظلمة، أو الطبقة السوداء المتخثِّرة، والمتعفِّنة، أسفل المجتمع؛ والتي تسارع قطاعات واسعة فيه بالتزامن مع الأجهزة الحكومية والدعائية إلى ردمها والتغطية عليها -بل وتزيينها- بدل المكاشفة حولها وإطلاق صافرات الإنذار وطلب النجدة وإيجاد حلول، إنها منطقة الجرائم الأخلاقية، أو بطريقة أخرى: إشكالات الهوية الأخلاقية للمجتمع.

ذكرت صحيفة «الرياض»، أن عدد “الجرائم الأخلاقية” في ٢٠١٠ حسب تقرير نشرته «هيئة التحقيق والادعاء العام» قد بلغ  ٢٨ ألفًا و٥٤٠ قضية، وعلى الرغم من استنفار مجلس الشورى حيال هذه الأرقام، حيث صرَّح بأن هذه الأرقام “تشكِّل خطرًا على الاستقرار في المستقبل”، إلا أن عددها قد زاد بفارق ما يزيد على ثلاثة آلاف قضية بعد عام واحد فقط، ففي عام ٢٠١١ نشرت صحيفة «الوطن» السعودية عن الهيئة أيضًا أن عدد الجرائم قد بلغ فعليًا ٣١ ألفًا و٦٢٠ قضية!

كما نشرت دراسة صادرة عن كلية التربية بجامعة الملك سعود، أن معدل التحرّش بالأطفال قد بلغ حتى عام ٢٠١٤ حالة تحرّش واحدة بين كل أربعة أطفال (١-٤)، كما تتحدث دراسة أخرى عن أن ٤٩٪ من البالغة أعمارهم ١٤ عامًا من إجمالي عدد السكان قد تعرّضوا للتحرش!

ليست المشكلة حصرًا في هذه الأرقام المنشورة بطبيعة الحال والمتداولة، ولا في الصدمة التالية بعد الاطلاع عليها، بل في تعمُّد تجاهلها وإيكال مثل هذه الأمور إلى الصدفة، والرهان اللا مسؤول على المستقبل، أو التنصّل من أي دور توعوي -ولو جزئي- في انتظار الدور الحكومي، تزامنًا مع عناوين «العيب» ومدى قباحة الدور الذي تلعبه هذه المفاهيم المغلوطة في التغطية على الكارثة التي تنتظرنا جميعًا كمجتمع، بين رهاننا على المخيال الأخلاقي والفصام الذي تثبته هذه الأرقام.

إننا عندما نتحدث عن النموذج الافتراضي لدور هذه المفاهيم المضلِّلة فإن الواقع سيفضي بنا إلى توجيه اللوم إلى الضحية بدل الجاني، والتضييق عليها بدل احتوائها ومنحها الأمان الضروري وما يعنيه هذا من استعادة ثقتها بنفسها، فنحن نتحدّث عن إفرازات ثقافية مضاعفة لا تتوقف عند مجرَّد الجريمة، وآثار رهيبة تبدأ بعد هذه الأرقام وليس من خلالها، الأمر الذي يحولها تدريجيًا إلى ظاهرة.

لا يتلقَّى الفرد في مجتمعاتنا أي حصص من الوعي المنظَّم حول الثقافة الجنسية، ولا تكاد تسمع مثل هذه الموضوعات الرئيسية والأساسية إلا عبر برامج الفتوى غير المؤهلة أصلاً لمناقشة مثل هذه الأمور، ويُترك هذا لمحض الصدفة عبر التجارب والأخبار والمحتوى غير الدقيق على شبكة الانترنت. وفي إزاء محاولات التعتيم والنظر بعين الريبة ومظاهر الإرهاب المعنوي التي يتلقّاها الفرد عند محاولته مناقشة أيًا من هذه التفاصيل المتعلقة بهذا الجزء الحيوي منه، تكبر هوية جنسية مشوّهة لديه، قائمة على الخوف والاستلاب والعبث وهواجسه الدائمة حول «المحظورات».

في أثناء هذا، يسيطر رجال الدين على الحديث في هذه الشؤون، ورغم أنهم لا يملكون أدنى قدرة ولا جاهزية على معالجة مثل هذه الموضوعات، بحكم التخصص، إلا أنه ثمة إشكالٌ آخر أكثر مأساوية وهو اعتبارات «العصمة والقداسة» والوثوقية المطلقة التي أوهموا الناس بها على مدى عقود من الزمن، الأمر الذي يخوِّلهم ببساطة لمناقشة أكثر المساحات الحساسة المتعلقة بالهوية. كيف يتم الأمر؟!

يُنظر دائمًا إلى أي موضوع يتعلق بالجنس، أو التواصل بين الجنسين، أو حتى الطبيعة النفسية، على أساس أنها موضوعات «مشبوهة»، وقد تتعلَّق بالحُرمة الدينية في مجتمع يعطي أولوية دائمة للتديّن ولو كتقليد اجتماعي وعلى مستوى ظاهر، وعلى الرغم من أن هذه الموضوعات هي أجزاء أصيلة وحيوية في الإنسان، وهي علوم تدرس بحد ذاتها، إلا أن رجال الدين يضمُّونها تحت عباءاتهم محكمين سيطرتهم عليها، ضامنين بذلك أكبر قدرة من التأثير على المجتمع وتطويعه.

لا يزال المجتمع غير قادر -تمامًا- على إشراك المرأة في المجال العام، وهذا يعني أن المجال الحيوي العام قاصر عن احتواء الجنسين، كل جنسٍ يرى في أبناء جنسه عالمه وحسب، ومجال تعريف هويته الجنسية هو هذا العالم الصغير، سواء كان ذكرًا أم أنثى، والذي يحرِّم عليه الخروج عنه إلى الآخر الذي يتكامل به، وهذا يتعلق بأسباب متداخلة من مزيج بين فهومات متطرفة للدين وتقاليد القبيلة، والسياسة الحاكمة عليهما.

ومن هنا تظهر المشاكل المتعلِّقة بالثقافة الجنسية، سواء في محيط العمل أو السفر أو حتى ضمن مؤسسة الزواج المنشودة، فنجد أن صحيفة «عين اليوم» السعودية تذكر أن أحد الأسباب غير التقليدية في الانفصال بين الزوجين هي «المثلية الجنسية» لدى الزوجات، وهو سبب نستطيع ملاحظته لدى الجنسين على كل حال. وبإزاء أرقام مرتفعة للطلاق في المملكة، والتي بلغت ٧ من كل ١٠ حالات الزواج (٥٤ ألف و٤٧١ حالة طلاق خلال العام ٢٠١٤)، يبدو أن الأسباب الكلاسيكية، أو ما يعبَّر عنها في المجتمع بـ “القسمة والنصيب” هي غطاء يتم استبداله عن الأسباب الحقيقية التي يجب الحديث عنها!

لدينا مشاكل ضاربة في العمق متعلقة بمؤسسة الزواج نفسها، بدءً بتدخّل ذوي الطرفين في الاختيار بل والإقرار، ومرورًا بالمثاليات التي يتم الحديث عنها حول أهلية الدم والعرق والحسب والنسب، والمفاهيم المتخلّفة العابرة من خلالها، والشكل «الإجرائي» للزواج؛ حيث تتأخر معاني الحب والرحمة حتى في هذه المواطن التي هي أخص ما هي موجودة لذلك، وانتهاءً بالأكلاف الباهظة في سبيل كل هذا. نعم نحن لا نزال في هذا المربّعات، ونحتاج من الوقت الكثير للنزوح عنها، وأعني “النزوح” بما فيه من مشقة وما يحتاجه من جهد، لكنه نزوحٌ حتمي مستحق.


إنه لا يجب أن تظلَّ مجتمعاتنا أسيرة صمتها في ما يجب الحديث حوله، ولا يجب إذا تحدّثت أن تدور في نفس دولاب المجتمع «المحافظ بطبعه» وعناوين العفة والشرف، فالإشكالات التي تواجهنا حقيقية هذه المرة وتهدد أساس هذه المجتمعات، وهو الفرد، وصحته الفكرية وبنيته الهوياتية، وإذا ما ظللنا نستمتع بسكرة الأكاذيب لنهرب بها من هذه الحقائق، فسنصحوا غدًا على واقع أكثر مرارة، وحينها لن نستطيع مواجهته بالأدوات المتاحة لنا اليوم.

الخميس، 19 مايو 2016

سلطة الأنداد: ماذا يفعل المشاهير؟



- نُشر على صحيفة إيوان24 بتاريخ الثلاثاء 17 مايو 2016.

لم تعد الشهرة قاسمًا مشتركًا بين الأثرياء والفنانين وأصحاب النفوذ والأعيان فقط، بل أصبحت متاحةً للجميع في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، كما لم يعد الرهان على «الجودة» كقيمة أساسية لما يطرحه هؤلاء المشاهير الجدد، بل الشكل «التوفيقي» من المتعة، وكل ما يلزمك القيام به للوصول إلى هذه الشهرة هو الالتحاق بأحد التطبيقات الموجودة، وإحداث ضجة!

«سناپ شات» يعتبر محور رئيس اليوم في أي حديث يتعلق بمشاهير تطبيقات التواصل بعد «انستچرام» و«كييك»، حيث يوجد هناك الملايين من البشر يتابعون يوميات المئات من المشاهير لحظة بلحظة، ويكوِّنون انطباعات ويتلقون المفاهيم ويستحدثون أفكارًا من خلالهم، الأمر أشبه بنادٍ كبير لمجالسة المشاهير عابر لحدود المكان والزمان.

على الرغم من أن انفتاح وسائل التواصل على الناس وعبورها المجتمعات أمر إيجابي ويدفع بحركة الشعوب والثقافات؛ كونه يمنح الجميع فرصة مساواة أكبر لاستثمار التمثيل في هذا المجال، وعلى الرغم من تسليمنا المطلق بضرورة التعامل مع هذا الواقع الجديد بعقلية أكثر مرونة واستبشار، إلَّا أن هذه الهيئة الحديثة من سيطرة المشاهير على حياة الناس تحتاج منا أن نذهب بعيدًا في تحليل هذه الظاهرة والكشف عن كيفية عملها.

في قائمتي على «سناپ شات» حوالي ٢٥ شخصية مشهورة قدَّمت نفسها عبر التطبيق، وخلقت حولها جماهيرية كبيرة وأثَّرت ولا زالت في شرائح واسعة من المجتمع، ولا شك بأن بعضها يقوم بدور استثنائي في التوعية ومحاربة مظاهر العنصرية والطائفية والجهل؛ إلا أن جميعهم يتزوَّدون من خزان واحد يلتقون عنده، لا يمكنهم مواصلة تقديم أنفسهم إلى الجمهور بدونه، خزان «الثقة».

هذه الثقة هي البوابة الكبيرة في أول البهو المؤدي إلى النجومية، القبول العفوي لانضمامك كلاعب في الساحة الكبيرة. لنبسّط الأمر ونتخيَّل أن ثمّة مجال دائري، يحيط به جماهير من المشجعين، حيث قررت مجموعة منهم تقديم أحدهم استحسنوه ووثقوا به إلى هذا المجال ممثلاً عنهم؛ إما بسبب نباهته وخفّة دمه، أو لنجاحه في مجال المال والأعمال، أو مهتم بالفنون، أو لأنه ناشط سياسي أو متطوع في المجالات الإنسانية، وغيرها من قنوات العبور إلى الثقة المنشودة.

من هنا تبدأ الشهرة، أو ما يمكن أن نصفه بـ «السلطة المعنوية» على الجمهور، من خلال المادة المقدمة أيًا كان شكلها. وفي الخليج، والسعودية بشكل استثنائي، حيث تتشكَّل مجتمعات سحابية بشكل لافت، يستحوذ هؤلاء المشاهير على كامل الاهتمام والمتابعة، مما يعني أن تشكُّل هوية هذه المجتمعات المعرفية مرتبط بشكل واضح بالمفاهيم التي يتلقّونها من خلال هؤلاء النشطاء على التطبيقات.

لستُ أتفق مع من يسخِّف ما يحدث في «سناپ شات»؛ من أنه لا يمكن أن يكون منصّة لنشر المعلومات واعتناق الرؤى والأفكار، بل أني أعتقد أن التطبيق يقوم بعملية «تكثيف» لهذه الأفكار بنقيضيها، وتجسيدها على أرض الواقع عبر المتحدِّث، وبالطبع نحنُ هنا لا نتحدَّث عن المحتوى كمستند على مرجعية علمية، كما لا نستطيع التورّط في مناقشة المعايير ووجودها من عدمه، إلا أنه ببساطته استطاع أن يكون منصّة مذهلة لبث الأفكار والمشاعر ومناقشتها والتأثير على الناس.

إذا ما اتفقنا على ما سبق، سندرك مباشرة أنه لا يمكن لهذا الفضاء الجماهيري، الذي تكثر فيه السلطات المعنوية، أن يكون بريئًا من التهم، كما أن التهمة الأصلية التي تلاحقه على الدوام كونه مكنة لتصدير الرَّقاعة والسفاهة والسخف، وهذه التهمة صحيحة في وجه وتنقصها الدّقة في وجه آخر.

تبدو سهولة التعامل مع منصات التواصل الحديثة عاملاً جاذبًا بشكل مستمر، وإذا ما سلَّمنا أن بإمكان أي أحد نشر أي شيء، فبالضرورة ليس كل شيء سيعجبنا، وهنا سنطالع مشاهد بالغة السوء كما ستتجلى لنا النزعات العنصرية والطائفية، والتحريض والتحريض المضاد، ولا يتوقف الأمر عند هذا فحسب بل قد تلقى رواجًا وشعبية، وهنا محلّ الذهول والإحباط، وهذا يدفعنا لسؤال: هل المشكلة حقًا في هذا الطرح الساذج الذي يتم تقديمه عبر هذه المنصّات، أم أن لدينا مشكلة علينا حلها وأن هذا الطرح هو موجود فعلاً في الواقع، وما قام به هذا المحتوى هو فقط تجليته والكشف عنه؟!

وبعد أن استطاع مشاهير تطبيقات التواصل الاجتماعي الارتباط المباشر بحياة الناس والإغراء الموجود في تحريك جماعات بشرية إلى فعاليات على الأرض والتأثير على توجهاتهم وانطباعاتهم، لم يعد بإمكان هؤلاء المشاهير التراجع عن هذه المواقع، مهما كان الثمن، فتورّطوا هم أيضًا في سلطة مضادة سلخت شخصياتهم، سلطة الجماهير، وهي سلطة لجماعة متخيَّلة ترتبط في أذهانهم بمزيج مشبوه من القيم المثالية التي قد لا تتحصّل في الواقع، لكنهم يلتزمون بهذا المخيال المصطنع ولو على حساب المصداقية والضمير لأنه الضمانة لهم للبقاء.

وصار من المفهوم أن ترى مهووسة بالموضة والأزياء «فاشينيستا» تغازل العاطفة الدينية لدى الجمهور مثلاً بأن تقول أنها ستتحول إلى «داعية» قريبًا، وتجد من يصفق لها، أو مطربة خليجية تشتم المطالبات بحقهن بقيادة السيارة في السعودية، إلى جانب حديثها المفتعل عن الحشمة والستر ورغبتها في أن يقوم رجل دين شهير «بالدعاء لها». هذا إلى جانب الكليشيهات الوطنية الفارغة التي يرددها بعض هؤلاء المشاهير دون ضرورة تحقق التزامهم الوجداني تجاهها، المهم هو حصد أرقام متابعة أكبر في عالم لا يتكلم إلا بلغة الأرقام والأضواء والربح.

الواقع أن هذه الفضاءات الجديدة خلقت لنا فرصة لتبادل الخبرات والأفكار والتعرّف على بعضنا بشكل أفضل، لكن هذه التقنيات على ما فيها من إبداع، إلا أنها تستحق منا أن نكون على نفس الدرجة من الاهتمام وملاحظتها واستنطاقها وإعمال العقلية النقدية أثناء مراجعتها، سواء على مستوى أسلوب عملها من حيث هي، أو على مستوى الانسحابات الناتجة عنها.

صادق خان عمدة لندن!




في سجالات الانتخابات أنت تقول أمورًا وتتساءل، وأعتقد أنه من الصواب أن يتعرض المرشحون لأحد أهم المناصب في بريطانيا للتّمحيص بشأن ارتباطاتهم الماضية”، هكذا برّر وزير الدفاع البريطاني عن حزب المحافظين «مايكل فالون» تصريحاته السابقة في حق «صادق خان»، إثر ربطه الأخير بالجماعات الإسلامية المتطرفة بعد فوزه الكاسح كعمدة لمدينة لندن.

إذًا، فاز صادق خان، البريطاني المسلم القادم من أصول باكستانية، بمنصب عمدة العاصمة البريطانية لندن عن حزب العمّال الذي ارتبط به منذ منتصف التسعينات، وعبر من خلاله إلى عدة مناصب من ضمنها نائبًا في مجلس العموم، بين خمسة نوّاب آخرين ينتمون إلى أقليات انتخبوا ذلك العام، ولاحقًا حقيبتين وزاريتين في الحكومة كأول وزير مسلم في بريطانيا.

لقد ارتبطت طفولة هذا الرجل بالمعاناة، فهو الإبن الخامس من بين ثمانية أشقاء لأب يعمل سائق حافلة وأم خيَّاطة قدما من باكستان إلى بريطانيا عام ١٩٧٠، حيث أقامت هذه العائلة في مجمعٍ سكني في ضواحي لندن وفَّرته لهم البلدية، ولم تكن تحوي الشقة إلا على ثلاث غرف لعائلة تتكون من عشرة أفراد!

يبدو الأمر بالنسبة للأقليات شاقًا، وأعني في هذه الحالة تحديدًا عصر ما قبل وسائل التواصل الحديث، حيث كان الأمر أكثر صعوبة، بداية من ثنائية العزلة والاندماج وسط مجتمع وظروف مختلفةٍ كلية، مرورًا بإشكالات التباين الثقافي والخصوصيات الدينية وصولاً إلى استيعاب الفضاء العام والتيارات السياسية والحركات المدنية في تلكم المجتمعات. كل هذه مسائل تواجه الأقليات في بريطانيا وأوروبا بالعموم، خصوصًا بالنسبة لعوائل محدودة الدخل هاجرت مضطرة من بلدانها.

من بين كل هذا جاء صادق خان، القادم من أسرة مهاجرة بسيطة تتقاسم رغيف الخبز وتكدّ سائر اليوم لتأمين حياتها ومستقبلها، والذي سجّل عدة مواقف تحسب له ضد انتهاكات حقوق الإنسان، وضد حرب العراق عام ٢٠٠٣، ومناورات أخرى صعبة كسبها كنائب، وحتى اليوم وهو يفوز بصوت اللندنيين بفارق كبير عن منافسه المحافظ.

لم يتوقف خبر فوز «خان» بالمنصب عند لندن، بل تجاوزها إلى عالمنا العربي والخليج، حيث شعر كثير من المتابعين العرب -على تويتر مثلاً- بالانتشاء لوهلة، ليس لأنهم يعرفونه ويتابعون تاريخه السياسي ومواقفه خلال مناصبه المتعددة، بل لمجرَّد -وفقط- كون أحدهم قال لهم أنه مسلم!

هنا تأتي الرابطة الدينية على رأس الأولويات، مقدمةً على ماهيَّة ما يفعله الرجل أو الدور الذي يؤديه. لقد قالوا أنه مسلم، لقد قالوا أنه أقسم على القرآن.. قالوا ذلك، وقد كان هذا كفيل بتبجيله والرضا عنه، هكذا يفكِّر كثيرون، وهكذا يتعاطى سوادٌ أعظم في عالمنا مع الساسة والسياسة؛ بطريقة طوباوية بسيطة ليست موجودة إلا عبر الأخيلة، وأقول «بسيطة» هنا، لأن هؤلاء الذين يفكرون بهذه الطريقة طيّبون جدًا، ومساكين جدًا؛ فلم يكن ليحصل «خان» على أصوات أهالي لندن يوم الاقتراع لأنه الناسك العابد، بل اختاروه لكونه الكفؤ، الذي عمل لعقد وأكثر من الزمان بجد حتى كسب الثقة، مناصرًا لقضايا الحريات والأقليات؛ ففي تلك البلاد لا يتقلَّد أحد منصبًا لكونه من سلالة التنانين أو الأفاعي، ولا حسب طول لحيته أو قصرها، أو لأنه انتحل مذهبًا روحيًا ما من عدمه، كل تلك أمور تخصّك، أما ما يخص سكان لندن وما يعني الصالح العام فهي معايير الكفاءة وجودة العمل وقبول الناس. وباعتبار هذا نلاحظ أن ضمانة وفرة الخبرات والطاقات أكبر، وهذه إحدى نتائج الجدل والاستيعاب المبكّر داخل العقلية الأوروبية حول مسائل الحريات والتفاوت البشري الخلَّاق.

إنه من غير المفهوم، الفرح بفوز مرشحٍ في أقصى الغرب من أناس في أقصى الشرق فقط لأنه من نفس الديانة أو العرق، لا يربطهم به إلا معرفتهم «اللَّحظية» عبر مواقع التواصل أنه كذلك، حتى أن الطريف أن بعضهم دخل ابتداءً في جدل حول اسمه، هل هو «صادق أم صدِّيق»؟!

طريقة التفكير المضلِّلة هذه، والتي اعتشنا عليها عقودًا من الزمن، وضلَّ بنا الطريق بسببها عقودًا أخرى، لابد أن نتخلَّص منها، فلا يكفي لأمنحك الثقة كونك من نفس الديانة، فالإسلام هنا ليس بيانًا سياسيًا، بل هو الإيمان، وهو هنا ليس فصيلاً حركيًا أو حزبًا برامجيًا يعمل وفق أنظمة ولوائح وخطط ومراحل زمنية يكسب ويخسر؛ بل نحن نتحدّث عن فضاء مفتوح من الصلة الروحية الخاصة بين الإنسان ومعبوده، ولا يعكس هذا «بالضرورة» أي رابطةٍ وضمانة لأناس في بيئات وبلاد مختلفة، لهم قصصهم ومعاناتهم ومشكلاتهم التي تتقاطع مع حياتهم اليومية ضمن جغرافيا ولدوا وتربَّوا وعاشوا عليها ومن خلال معطيات مرتبطة بها، وفي سياق تاريخي منفصل وثقافات متباينة.

وعلى ضوء ما سبق نستطيع فهم حالة الصّدمة التي ظهرت بعد معرفة أن «خان» في مارس ٢٠٠٧ كان قد صوّت فعلاً لصالح مشروع يدعم المساواة في الحقوق مع المثليين، ثم في فبراير ٢٠١٣ نجده أيضًا يدعم مشروعًا يفيد السماح بزواج المثليين. هنا انقلب أولئك عليه مباشرة، وشكّكوا في ديانته، وبعضهم ذهب إلى نفيه إلى مذهب آخر في محاولة ساذجة للتبرّي منه! وهذا يحمل دلالات محبطة عن كيف يمكن لمجرّد امتداد مفتوح لدين أو لمذهب أو دم أن يرفع ويخفض، وخلال ساعات!

في أرض العرب اليوم لا يكاد يخلو حديث من الطائفية، حتى ليبدو أنها بصمة عربية تأتي على كلِّ الموضوعات، فقد جرى أيضًا نقاش حول خلفية «خان» المذهبية، بل وإلصاقه بالمذهب الشيعي حيث لم يتحدث أي مصدر عن هذا، وهي ليست تهمة على كل حال، ولكنها تعطيك انطباعًا سريعًا حول العقلية التي يتعامل بها العربي مع مشكلاته، فليست الأولوية عند هذه العقلية الفضول الضروري بطرح أسئلة من قبيل: كيف وصل شخص مسلم في دولة ذات تاريخ وغالبية مسيحية كبريطانيا إلى هذا المنصب؟ ثم كيف يعمل حزب العمال؟ وماذا كان يفعل «خان» منذ التسعينات في الحزب؟ وإلى أي جناح ينتمي؟، تجاهلت هذه العقلية كل هذه الأسئلة الملحّة، واتجهت مباشرةً إلى الديانة والمذهب. إنها عقلية مأزومة تعيش حالة من الخوف والأسر، وأُريد لها أن تكون كذلك.

بريطانيا ليست الحلم فيما يخص مسائل الاندماج والتعامل مع اللاجئين، لكن فوز «صادق خان»، النائب والوزير من ذوي الأصول الباكستانية هذا الأسبوع كعمدة لمدينة لندن، يطرح سؤالاً واحدًا: ماذا سيكون مصيره لو اختار والده يومها أن يحجز تذكرة إلى وجهة أخرى.. ويهاجر إلى العالم العربي؟!